عندما تم خلع حسنى مبارك من الحكم بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ثم القبض عليه، وظهور صورته الشهيرة مستلقيا على سرير طبى خلف قفص الاتهام داخل المحاكمة. ظننت فى نفسى ــ وكتبت ذلك فى هذا المكان ــ وظن كثيرون معى، أن أى شخص مسئول سوف يفكر تريليون مرة قبل أن يفكر فى الفساد والإفساد مرة ثانية لأن أكبر رأس قد وقع. لكن لم تمض شهور قليلة، حتى نسيت جماعة الإخوان المسلمين كل دروس سقوط مبارك «وظنت أنها قادرة على الدنيا» حتى أتاها بأس ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، التى خلعت الجماعة ووضعت معظم قادتها خلف القضبان.
طوال هذه السنوات رأينا معظم السياسيين ورجال الأعمال المقربين من مبارك والإخوان فى السجون أو على ذمة تحقيقات بالفساد والإفساد والتربح وإهدار المال العام والكسب غير المشروع.
بعد هذه المقدمة الطويلة.. السؤال هو: ما الذى يجعل الإنسان العاقل الواعى المدرك يقع فى خطيئة الفساد، خصوصا فى هذه الأيام الصعبة؟!.
ما الذى يجعل وزيرا يتورط فى قضية فساد، هل يحتاج إلى مال، وحتى إذا كان يحتاج، ألم يفكر فى احتمال انكشافه؟
ما الذى يجعل موظفا كبيرا مرموقا يضحى بكل مستقبله وسمعته من أجل سيارة أو عضوية ناد كروى؟
ما الذى يجعل رجل أعمال يمتلك الملايين وربما المليارات يحاول رشوة موظف سعيا لتعظيم ثروته الكبيرة أصلا؟!
ما الذى يجعل شخصا ذاق مرارة السجن وعرف مهانته، وتاب الله عليه، أن يعود لارتكاب نفس الجريمة بنفس التفاصيل المملة، والأهم: ما الذى جعله واثقا كل هذه الثقة أنه لن يتم القبض عليه؟!.
سألت السؤال الذى بدأنا به.. سألته لشخص ذى خبرة وعركته الحياة، فقال ساخرا، لو أن كل شخص يتعظ مما حدث لغيره ما وقعت جريمة على ظهر الأرض منذ قتل قابيل شقيقه هابيل، ولتحولت الحياة إلى ما يشبه الجنة، وبالتالى تنتفى فكرة وفلسفة الدنيا القائمة على الصواب والخطأ والخير والشر، بل وفكرة الحساب على ما فعلنا فى دنيانا.
لكن وبعيدا عن هذا الكلام ــ الذى سيظنه البعض وعظا وخطابة بلا طائل ــ نقول إن المناخ والقوانين هى التى تجعل الفساد قليلا فى مجتمع، وكثيرا جدا فى مجتمع آخر.
وبالتالى فإن غياب القانون أو عدم تطبيقه بالمساواة على الجميع، سيغرى كثيرين بالفساد والانحراف.
بل إن الإنسان منا عندما يذهب إلى المقابر لدفن صديق أو قريب، يكون أقرب ما يكون إلى حالة الزهد من الدنيا، لكن عندما يعود إلى حياته الطبيعية ينسى كل ذلك.
إذن الفيصل هو أن يشعر الشخص بأنه سوف يدفع ثمنا فادحا إذا سرق أو اختلس أو فسد أو أفسد.. إذا حدث ذلك ستقل تماما نسبة الفساد والانحراف، لكنها لن تختفى بالمطلق.
ما حدث فى مصر من إقالة لوزير الزراعة ثم القبض عليه يوم الاثنين الماضى، هى ضربة معلم من الحكومة، والبيان الذى أصدره مكتب النائب العام، أفصح بعض الحقائق، لكن نتمنى أن تنهى النيابة حظر النشر فى القضية فى أقرب فرصة، حتى يعرف الرأى العام حقيقة ما حدث، وحتى تتحقق فكرة الردع لبقية الفاسدين والمفسدين. والأكثر أهمية نتمنى أن يكون ما حدث هو ضربة البداية ضد الفساد الذى استشرى وتغول حتى غطى على كل الإنجازات.
أما السؤال الذى لا أجد له إجابة فهو: كيف تم تخريب روح وعقل وضمير بعض المصريين لكى يطلبوا رشوة عبارة عن تأشيرات حج.. كيف تحج أيها «.......» من مال حرام... على من تضحك؟!؟
عن الشروق المصرية