من يتابع وسائل الإعلام الفلسطينية المختلفة، من فضائيات وصحافة ومواقع إلكترونية وحتى صفحات تواصل اجتماعي، يلمس ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب التراشق والاتهام السياسي والإعلامي بين المكوّنات الوطنية من فصائل وقوى في الساحة الفلسطينية، وتحديداً بين قطبي الانقسام والتقاسم في الساحة الفلسطينية حركتي «حماس» وفتح. وفي أحيان كثيرة يأخذ هذا التراشق أو السجال شكل الشتيمة والشماتة، وهي في الأساس أفعال وتصرفات غير إيجابية ومسيئة إلى أصحابها قبل الآخرين. فكيف إذا مورس هذا الفعل في العمل السياسي والوطني في الساحة الفلسطينية ليتحول بدوره في أكثر من مكان وموضع إلى كيدٍ وتشفٍّ سياسي. ولازمة شبه يومية في علاقات القوى والفصائل الفلسطينية في ما بينها، وبصفة خاصة بين «حماس» وفتح. وهذه الظاهرة المدانة والبغيضة يحاول البعض أن يجعل منها ثقافة ما كانت لتتنامى لولا الانقسام الذي شهدته الساحة الفلسطينية عام 2007. ودخلت المصالحة الوطنية منزلقاً خطيراً بعد التوقيع على «اتفاق المصالحة» في القاهرة منذ أيار 2011، وفشل تنفيذه وتطبيقه لأسباب موضوعية وذاتية. وكان في كليهما، الموضوعي والذاتي، وبالاً وكارثة على القضية الوطنية والشعب الفلسطيني، خاصة الأسباب الذاتية ومن نتائجها المباشرة استمرار تعثر المصالحة وتعطيلها. وفي ظاهر الأسباب الذاتية ما هو محق، وفي باطنها ما هو غير ذلك، رغم كل المحاولات الإنقاذية لهذه المصالحة عبر الاتفاقات والمبادرات التي تراكمت وتكدست، وليس آخرها ما عُرف بمبادرة الجبهة الشعبية وموافقة رئيس السلطة عليها .
يتفهّم الجميع أن نشمت، بل ونفرح، لتعثّر أعدائنا وفشل مخططاتهم وسقوط أهدافهم الآنية منها والاستراتيجية، فمن شأن ذلك أن يهب قضيتنا دفعاً قوياً نحو تحقيق أهدافها الوطنية الثابتة والمشروعة في سياق عملية التحرر الوطني التي يخوضها الشعب الفلسطيني وقواه. لكن، لا يمكن أن نفهمه أو أن نتفهمه أن فصيلاً أو تنظيماً فلسطينياً يشمت لتعثر إخوة أو رفاق له وفشلهم في مسيرة النضال الطويل والمصير الواحد، وهم قادمون إلى معترك الكفاح الواحد من رحم قضية واحدة وشعب واحد دفع خيرة أبنائه ومن الفصائل كلها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى لأجل فلسطين الواحدة الموحّدة. ألم يدرك القيّمون على الساحة الفلسطينية بعد حجم الأخطار والتحديات التي تتعاظم وتتراكم مثل كرة الثلج في وجه القضية وأبنائها. هذه الأخطار والتحديات يراد في ظل تطورات المنطقة أن تمرّ تحت عناوين الاتفاقات الانتقالية أو المرحلية المؤدية إلى الموافقة ثم التوقيع على تصفية القضية الفلسطينية وتكريس الاحتلال وكيانه الغاصب دولة من دول المنطقة، بحسب خطة الوزير الأميركي كيري.
إن التعامل اللا مسؤول من البعض في الساحة الفلسطينية، من هنا أو هناك، مع هذا السلوك والحرص على ترويجه من خارج حسابات الربح والخسارة في المفهوم الوطني وثوابته، من شأنه مع الوقت أن يتحوّل إلى نهج وثقافة يصعُب علينا جميعاً الحد منهما إن لم نقل القضاء عليهما، وتصبح الساحة الوطنية الفلسطينية منقادة بغرائز أشبه ما تكون بالقبلية البغيضة والمرفوضة. وهي في المقابل دعوة صريحة إلى وسائل الإعلام الفلسطينية للمساهمة الجادة والمسؤولة في العمل على كبح جماحها، من خلال الامتناع عن ذكر المصطلحات والتوصيفات والكلمات وحتى العبارات التي توتّر الأجواء وتسمّمها بالمعنى الوطني. وهي بالتالي أيضاً دعوة صريحة إلى الفصائل وقياداتها بالامتناع عن الخوض في سياقات تفرق ولا توحد. وعليها مسؤولية أن تُصدّر إعلامياً شخصيات تقدّم المشتركات على الخلافات، والنقد على الشتيمة والشماتة. وهذا لا يعني في أي حال من الأحوال التنازل عن حقنا في التعبير عن مواقفنا، وبالتالي توجيه النقد والانتقاد إزاء أي سلوك يتعارض ويتناقض والمصالح والثوابت والحقوق الوطنية، شرط ألاّ يتحول إلى شتيمة أو شماتة أو كيد يزيد من حدة الاحتقان والخلاف السياسي والوطني في الساحة الفلسطينية التي تشهد هذه الأيام هجمة غي مسبوقة في التهويد والاستيطان واقتحامات المسجد الأقصى وتصعيد العدوان الذي سقط بفعله في اليومين الماضيين العديد من الشهداء والجرحى في قطاع غزة والضفة الغربية، وعلى المعبر الحدودي بين فلسطين المحتلة والأردن، إذ استشهد القاضي الفلسطيني رائد زعيتر على يد قوات الاحتلال بعدما أطلق أحد جنوده النار لمجرد أن الشهيد أصرّ على إفهام هذا الجندي أنه ذاهب إلى أرضه فلسطين وليس إلى «إسرائيل»، بحسب رغبة نتنياهو ومن خلفه الوزير كيري وكلّ جوقة المستسلمين والمطبّعين في المنطقة.