تاريخ النشر: 2018-02-17 | 09:08
تاريخ النشر: 2018-02-17 | 09:08
التهمت الحروب والنزاعات الدينية والعقائدية والسياسية العالم العربي ، من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا ، ولبنان ثم السودان التي انسلخت عن ربع أراضيها ، ولا زالت تحارب لاحتواء أزمة دارفور ، ولبنان الذي فقد القدرة على تحديد موعد لانتخاب رئيس أو برلمان ، وحال مصر الذي تحول إلى صراع غير مفهوم ، واستقرار لا معنى له ، والخلاف الذي دب على حدود المغرب والجزائر ، عدا عن الجماعات الإرهابية التي أصابت البلاد كسرطان ينتشر وينخر عظمها ، وحكاية إيران التي أقامت هيمنتها على دول ، وأمنها على دول أخرى ، كما لن تنتهي من تمويل الحروب في اليمن وسوريا ، هذه الخريطة الضعيفة ، التي بإمكان أضعف الأطراف إعادة رسمها كما يشتهي ، تصدرت إسرائيل القيادة بعنجهية ورعونة ، وبدأت تدير دفة الصراع على كرسي عاجي ، والعرب يتبارون في الاقتتال لترضى ، هذا كله يعيدنا للذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو المسئولة عن رسم الحدود العربية بهذا الشكل ، والمسئولة عن تشتيت وحدة العرب وحالهم ، هذا ليس جديد ، طوال الوقت كانت قناة السويس في ذهن البريطانيين ، وخططوا لفصل آسيا عن أفريقيا العربية ، تحقق هذا الهدف ، عبر وثيقة هنري كامبل بانيرمان رئيس وزراء بريطانيا بين عامي 1905 و 1908 ، التي قضت بإنشاء كيان أسيوي أفريقي ، للوقوف أمام وحدة الشام مع النيل ، اليوم فعلاً خضعت المنطقة العربية بكاملها للاستعمار الفرنسي والبريطاني ، والاستعمار الإيطالي لليبيا ، والأسباني لصحراء المغرب العربي ، لتقوم منظومة الاستعمار على أساس القوة العسكرية المحدودة لإخضاع البلاد ، للوصول إلى تعيين قوة محلية لإدارتها ، وحين استيقظ العرب على احتلال بدأ يفرض سيطرته على أراضيهم ، بدأت حركة التحرر الجادة ، ليفاوض المستعمر على تبديل طريقة الحكم كما حصل في مصر بعد ثورة 1919 ، حيث منحت بريطانيا مصر الاستقلال الشكلي عام 1923 ، وظلت تحكم البلاد من خلال القصر ولم تستكمل مصر استقلالها الناجز إلا بعد تأميم قناة السويس عام 1956 على أيدي جمال عبد الناصر .
أكثر من نصف قرن والعرب يسعون لإنهاء الاستعمار على المنطقة ، حين قادت الشعوب العربية حركات تحرر عملاقة ، وضعوا أمام أعينهم تحقيق الوحدة ، والتقدم للعرب وحين تحققت الوحدة وبدأت فعلا بين مصر وسوريا عام 1958 سعت القوى المعادية إلى إفشالها ، نجحت حين سمح العرب تدريجيا بالتعاون معهم ، كما حدث في انقلاب العراق ومظاهرات لبنان التي استوجبت تدخل قوات البحرية الأمريكية عام 1958 ، ولم تكتفي بذلك فقد لعبت أيضا على الأنظمة العربية بعد تحررها ، لتمنع الوحدة العربية وتتوج إسرائيل القوة والسيطرة على الموارد النفطية وإبقاء الاتحاد السوفييتي خارج المنطقة .
كان لدى الدول العربية القدرة على الحكم المستقر والديمقراطي ، وبناء اقتصاد قوي ، وصحافة حرة ومتينة ، وأحزاب سياسية جادة تهدف لمصلحة الوطن ، وكان لديها القوة لمنع أي تدخل خارجي ، خاصة القوى العسكرية ، والفكرية الاستعمارية ، مثل ما حدث في مصر في عهد جمال عبد الناصر ، فقد كان نموذجاً وطنياً مشرفاً ، كما سجل هواري بومدين في الجزائر ، وأحمد حسن البكر في العراق ، لكنها تعرضت للاختراق ، وتحالفت عليها القوى المستمرة مع القوى الأكثر غباء ورجعية في المنطقة ، لنصل إلى هزيمة تقسمنا ، بل تفتت شملنا كما يحصل الآن ، بذلك تم التخلص من جمال عبدالناصر ونبله ، ثم إنهاء حقبة بومدين في الجزائر ليدخل الأخير في عصر الفوضى والتيه والفراغ ، وسيطرة القوى والتيارات المتطرفة التي عطلت قدرات البلاد ، وأدخلتها في جهنم الحروب الداخلية والصراع مع الجيش ، عدا عن تمويل وتقوية القيادات الدموية في الدول العربية ، وإحياء صوت المعارضة الذي لا يرتقي للمعارضة الحقيقية ، وبدأت القيادات تتنازل عن أبسط حقوق شعبها في اختيار شكل الحياة التي تريد ، حتى بدأت الشعوب تئن من أوطانها ، من ثقل الأزمات الاقتصادية والسياسية ، عدا عن تشجيع التيارات السلفية التي انتشرت بشكل سريع وخيالي ، خاصة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد .
مئة عام على تطورات اتفاقية سايكس بيكو ، قادرة على إقناعنا أن ما يجري اليوم على أرض الواقع هو مخطط كنا قد استسلمنا له ، ولم نقرأ أو نحلل جيداً ، مثلما يفعلون هم ، نحن اليوم منهمكون باصطياد أنفسنا ، نتراجع ، ونمرض ، ثم نموت الموت البطيء والمجد لدولة لا تستحق كل ما فعلناه لها بغباء ، فقط فرضت سيطرتها على أطهر بقاع الأرض ، وشردت أطفالنا وشيوخنا ، وقتلت كرامتنا ، هل من قارئ ، أو مستمع !