تاريخ النشر: 2017-05-09 | 11:18
تاريخ النشر: 2017-05-09 | 11:18
تقتضي الموضوعية الاعتراف بأن وثيقة حركة «حماس» الجديدة، التي أعلنها رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، بحضور عدد من قياديي الحركة في العاصمة القطرية (الدوحة، 1/5)، تشكّل تطوراً مهماً في الفكر السياسي لهذه الحركة، بيد أن الجديد فيها يخصّ الحركة ذاتها، فقط، إذ إنه قديم بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية عموماً، كأن «حماس» في ذلك مجرّد تتماهى مع السائد، التي ظلت تميّز نفسها عنه، منذ انطلاقتها قبل نحو ثلاثة عقود، في واقع حركة وطنية فلسطينية باتت متكلّسة ومتقادمة، من مختلف النواحي، في الأفكار والبنى وطرق العمل.
ويمكن تعيين التطورات «الجديدة» في الفكر السياسي الحمساوي في حسمه عدة قضايا، لعل أهمها يكمن في الآتي: أولاً، الاقتراب من برنامج الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وإن بمصطلحات «حماس» واشتراطاتها؛ علماً أن الأمر ذاته حصل لدى إعلان برنامج «النقاط العشر»، في المجلس الوطني الفلسطيني (الدورة 12، 1974)، الذي تضمن إقامة «سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة» على أي بقعة أرض يجري تحريرها، ثم وصلنا إلى البرنامج المرحلي (دولة فلسطينية في الضفة والقطاع)، ومنه إلى اتفاق أوسلو (1993). طبعاً لا نقصد الإيحاء بأن التاريخ يعيد ذاته، وإنما نتحدث عن برامج برغماتية، تخرج من المبدئية أو الطهرية المدّعاة، لمسايرة الوضع الدولي والإقليمي، وأيضاً للتكيّف مع واقع العجز وضعف موازين القوى.
مع أهمية هذا التطور فإننا نلاحظ أن الوثيقة قيّدت تلك المقاربة باشتراطها عدم الاعتراف بإسرائيل، وتأكيد تحرير فلسطين من النهر إلى البحر (البند 20)، ما يبين أن المقاربة الحاصلة لم تأت نتيجة قناعة ذاتية، وإن الأمر ينطوي على برغماتية وتورية لإرضاء أطراف خارجية، أو يدل على اضطراب أو خلافات داخلية، وفي الحالين فإن هذه المقاربة غير ناجحة، ومن غير المتوقع أن تصل إلى الوظيفة المطلوبة.
ليس الجدال هنا عن مشروعية تمسّك «حماس» بحق الفلسطينيين في أرضهم التاريخية، وإنما عن مسؤوليتها عن توضيح كيفية إقامتها الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، إن لم يكن بالمفاوضات، أي بالتفاهم مع إسرائيل، ومن خلفها المجتمع الدولي، وبتقديم التنازلات. وقد كان يمكن لهذه الحركة بدلاً من مقاربة كهذه لم تثبت صحتها، على مدار أكثر من أربعة عقود، ومع إخفاق اتفاق أوسلو منذ قرابة ربع قرن، الذهاب نحو خيار الدولة الديموقراطية الواحدة، في فلسطين/إسرائيل، أي دولة مواطنين، أحرار ومتساوين، من دون أي تمييز، ما يفيد بنقل الكفاح من مجرد دولة في الضفة والقطاع إلى كامل فلسطين، على نحو أقرب لفهم «حماس». والمعنى أن خياراً كهذا، على رغم صعوبته، يعيد الاعتبار للتطابق بين أرض فلسطين وشعب فلسطين وقضية فلسطين، كخيار نضالي ومستقبلي، لا سيما أن «حماس» قاربت برنامج الدولة في الضفة والقطاع، في شكل خجول، بعد أفوله؛ أي أنه كانت ثمة خيارات بديلة لا تضع حماس في هذا الموقف المتناقض والحرج.
ثانياً، قطعت «حماس» في وثيقتها الجديدة، مع فكرة الصراع الديني، باعتبار أن الصراع من طبيعة سياسية، وعلى قضية وطنية، مع الصهيونية، وكيانها إسرائيل، وليس مع اليهود كطائفة، أو اليهودية كدين (البند 16)؛ وهذا أمر على غاية الأهمية، علماً أن الحركة الوطنية الفلسطينية قالت بذلك منذ انطلاقتها، في منتصف الستينات. والمعنى أن هذه الحركة تكون بذلك تخلفت بمقدار أكثر من نصف قرن، عن الحركة الوطنية الفلسطينية، وأن الفلسطينيين دفعوا ثمناً باهظاً جراء ذلك، وضمنه جراء التناقض بين طابع «حماس» كحركة وطنية وطابعها كحركة دينية، مع كل التداعيات التي نجمت عن ذلك على الحركة ذاتها أيضاً.
ثالثاً، باتت «حماس» في وثيقتها تعتبر أن مقاومة إسرائيل لا تقتصر على الكفاح المسلح وإنما تشمل مختلف أشكال النضال (البند 25)، وهذه أيضاً مسألة كانت الحركة الوطنية الفلسطينية وصلت إليها قبل أكثر من ثلاثة عقود، مع معرفتنا أن قادة «حماس» صرحوا عن ذلك مراراً، إلا أن المقاربة على هذا الصعيد لم تتحول إلى ثقافة سياسية لدى معظم قادة ومنتسبي تلك الحركة، إذ ما زلنا نسمع يومياً عن عبارات هزيمة إسرائيل، وزلزلة الأرض تحت أقدامها، مع استعراضات عسكرية، وحديث عن إنتاج صواريخ وطائرات وكل ذلك في قطاع غزة المحاصر والذي يفتقد إمكانيات العيش! في هذا الإطار، أيضاً، فإن «حماس» لم تراجع البتة تجربتها العسكرية، لا سيما العمليات التفجيرية، والحرب بالصواريخ، التي أضرت بالفلسطينيين، ولم تحم قطاع غزة من التدمير والحصار، ولم تغير شيئاً أساسياً في معادلات الصراع مع إسرائيل، إذا فكرنا بالأمر بعيداً من الشعارات والعواطف والرغبات. وكلنا شهد كيف أن تصريحات بعض قادة حماس العسكريين تتحدث بعد الحرب العدوانية الأخيرة على غزة (2014)، عن «اشتراط» وقف الحرب، ببناء مطار وميناء ورفع الحصار، كأن «حماس»، مع كل التقدير للتضحيات والبطولات المبذولة، هي التي كانت تشنّ الحرب وتدمر في إسرائيل!
رابعاً، المقاربة الرابعة تتعلق بتأكيد «حماس» اعتبار منظمة التحرير كإطار وطني للشعب الفلسطيني (البند 29)، ومع أنها مقاربة خجولة، وقديمة، إلا أن تضمينها في الوثيقة يكتسب أهميته من ضرورة حســم هذا الأمر في الثقافة العامة للحمساويين الذيـــن عاشوا على أساس النأي بحركتهم عن الإطار الوطنـــي الفلسطيني عموماً، في الأفكار والسياسات وطـــرق العمل والتجربة التاريخية. ومعلوم إذ ثمة كثر في «حماس» يعتقدون بأن الكفاح الفلسطيني بدأ مع انطلاقة حركتهم، علماً أنها انطلقت، أصلاً، بعد أكثر مــن عقدين على ولادة الحركة الوطنية الفلسطينية المعـاصرة، ومن دون أن تختبر نفسها في التجارب الغنيــة والمختلفة التي شهدتها، بما لها وما عليها. مع ذلك فإن هذه المقاربة أتت متأخرة كثيراً، إذ ما زالت «حماس» خارج المنظمة، وهي لم تقدم في العقود الثلاثة الماضية أية مقاربة عملية تسهّل الانخراط فيها، على رغم معرفتنا بتعقيدات هذا الأمر، وأن ثمة بعض مسؤولية يقع على عاتق القيادة الفلسطينية، أي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، بل إن «حماس» اليوم تقف كسلطة في غزة في مواجهة السلطة في الضفة، في واقع الانقسام السياسي الحاصل.
عدا هذه المقاربات، فقد غابت عن الوثيقة الجديدة مسائل كثيرة على غاية في الأهمية، كما تضمنت عديداً من التناقضات، ومثلاً، فإن هذه الوثيقة لم تقطع بين طابع «حماس» كحركة سياسية وطنية وبين طابعها كحركة دينية، وكجزء من تيار الإسلام السياسي، أو يتبع منظومته الفكرية؛ وهذا واضح من مضامين عديد من بنود الوثيقة (البنود 1 و8 و9). ثانياً، افتقدت الوثيقة أي نوع من النقد الذاتي، لشعارات «حماس» وتجربتها وطرق عملها، في المقاومة والسلطة، في السياسة والتنظيم، وكان الأولى بقادتها المعنيين لو تركوا فسحة لمراجعة نقدية في وثيقتهم، لأن النقد هو دليل عافية وصدقية، أما المكابرة والإنكار فيؤديان إلى المهالك، كما أنهما دليل لا مبالاة للتضحيات وهدر البطولات وتبديد المنجزات. ثالثاً، لم تراجع تلك الحركة تجربتها السياسية، لا في المقاومة ولا في السلطة (في غزة)، ولعل هذا أهم ما يؤخذ على تلك الوثيقة، ولا أدري كيف فات أولي الأمر هذا الموضوع، إلا إذا تعمدوا ذلك. وفي الواقع فإن حركة «حماس» كانت معنية بالتوضيح للفلسطينيين ماذا تعمل في غزة منذ عشر سنوات؟ هل نجحت أم أخفقت في إدارتها للقطاع؟ وهـــل بات وضع الفلسطينيين في غزة أفضل معها أم مـــن دونها؟ أيضاً كان عليها التوضيح ماذا ستفعل في القطاع؟ فهل تريده قاعدة للتحرير؟ أم تريده نموذجاً للدولــة الفلسطينية المقبلة؟ رابعاً، تحدثت الوثيقة عن انحـــياز «حماس» إلى الخيار الديموقراطي (البند 28) فــــي العمل الوطني، لكنها حصرت ذلك في مؤسسات منظمـــة التحرير، في حين الأولى بها أن تقدم نموذجها للديموقراطية في طريقة إدارتها للسلطة في غزة، أي في إشراك القوى الحليفة لها على الأقل، وعدم إدارة غزة بطريقة أحادية وإقصائية وتسلطية، على المجتمع وعلى الفصائل الأخرى، فهذا اختبار «حماس» للديموقراطية قبل أي شيء آخر.
في الإجمال فقد فاجأتنا «حماس» كثيراً، في وثيقتها، أولاً، بهذه المبالغة الاحتفائية بها وبـما اعتبرته تجديداً في فكرها السياسي. وثانياً، في قولها إن إعداد الوثيقة استغرق أربعة أعوام! وثالثاً، في غياب أي مراجعة نقدية وعقلانية لتجربتها، المثيرة للجدل، طوال ثلاثة عقود. ورابعاً، بعدم طرحها للنقاش العام قبل إقرارها، ما كان من شأنه إغنائها وتشكيل إجماع مناسب من حولها. وخامساً، في إعلانها من الدوحة وليس من غزة والضفة.
نعم ثمة «تطور» في الفكر السياسي لـ «حماس»، كما ظهر في الوثيقة، بيد أن ذلك لا يعني تطوراً حقاً، إذ أنه مجرد مقاربة لمفاهيم سياسية سائدة منذ ثلاثة عقود، بل منذ ما قبل ولادة هذه الحركة. وباختصار فإن الواقع يسبق الحركة الوطنية الفلسطينية، التي تعاني من العجز والتكلس والفوات، سواء كان اسمها «فتح» أو «حماس» أو بقية «الجبهات».
عن الحياة اللندنية