يرسم الواقع صورة تختلط فيها الالوان السوداء بالرمادية تعكس حالة تَموج بها المنطقة العربية والاراضي الفلسطينية علي وجه الخصوص يمتزج بها لونين معبرين عما تدلل عليه قراءة المستقبل ويبدو في الافق القريب مشهد اشد قتامة يعبر عن حال المنطقة العربية وانشغالها في ازمات تحديات داخلية مقصودة تسعي الى تفتيت الاقاليم العربية وتأجيج نار الفتن الطائفية و الحزبية , وبات سيد المشاهد يعبر بوضوح عن حجم المعاناة والضغط النفسي و المعنوي والاستنزاف للأرض الفلسطينية ومقدراتها .
بصمت مريب وخطوات مدروسة ورزمة من سياسات همجية تتبعها "اسرائيل" بمواجهة المشروع الوطني التحرري وتقصد من وراء ذلك افقاده مضمونه , وابعاده السياسية والوطنية و الديمغرافية , وما تتبعه من اساليب المراوغة , والتضليل يأتي متزامناً مع غض البصر الامريكي , والجنوح التام نحو "اسرائيل" ,مع علم الاخيرة ان حليفتها الاستراتيجية , وخادمتها ,ومنفذة سياساتها الشرق اوسطية , وطبيعة العلاقات الامريكية الاسرائيلية لم يوجه اصابع الاتهام لها بتعطيلها ووضع العراقيل والعقبات , واستغلال المفاوضات كغطاء سياسي يحفظ لإسرائيل ماء وجهها امام المحافل الدولية وفي جانب اخر تصادر الارض وتسيطر على الموارد الطبيعية و تقتحم المدن وتعتقل و تخرب و تترك العنان لمستوطنيها يعثوا فساداً ,وعلى الرغم من استئناف المفاوضات لمدة 9 شهور بعد ضغوط امريكية انقضت دون ان تتحقق أي من جدول اعمالها , وباتت عملية التسوية بالشروط الخاضعة لأهواء امريكا فاشلة ومضيعة للوقت و الجهد معاً والحديث متصل بمرور 21 عاماً على اتفاقية "اوسلو" التي افضت الى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية الموقعة فى امريكا يوم 13/9/1993م واعتبرت في حينها تمثل فرصة لارساء سلام ينهي عقود من الصراع العربي الاسرائيلي و يفضي لاحقاً الى قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية و هذا ما لم يحدث بسبب تعنت الجانب الاسرائيلي وعدم التزامه بكل ما جاء فى اتفاقية اوسلو , ووضع العراقيل وتنكر لها وبالتالي اصبح هناك سلطة وطنية فلسطينية مكبلة لا تستطيع الحركة , ولا يمكنها القيام بواجباتها اتجاه القضايا الاساسية الجوهرية و حتى امام التزاماتها بتقديم الخدمات لمواطنيها بسبب اجراءات تعسفية تتبعها "اسرائيل" دون الاقرار بمتطلبات السلام في المنطقة وساعدها علي ذلك غياب الموقف العربي الداعم , والموقف الاسلامي " الحاضر فيلة" والاوربي المصاب بالحياء والافراط بالمُحاباة , وان كانت هنالك مواقف متقدمة لبرلمانات دول اوربية تدعم الحق الفلسطيني الا انها غير كافية وعلى المستقبل المنظور لن تحقق أي اضافة نوعية كونها غير ملزمة لسياسات الحكومات الرسمية .
منعت "اسرائيل" تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية فى يناير المنصرم في خطوة تقصد منها التضيق والخنق وهو ما اعتبر قرصنة وسرقة في وضح النهار سياسة عقيمة لن تجدي نفعاُ ولن تجني من وراءها شيئاً سوي المزيد من الكراهية و العداء , والتثبت بالحق والايمان بعدالة القضية مهما كان صنيعها , ولا يخفي على احد ان الوضع الفلسطيني تأثر بمنع تحويل الاموال وهي بمجملها تشكل ثلثي الدعم المالي لخزينة السلطة الوطنية الشهرية و لمصاريفها التشغيلية و الخدماتية ودفع فاتورة الرواتب لموظفي القطاع العام , والاهم ان هذة القرصنة تحدث امام مرأي ومسمع دول العالم الممتد دون أي ردود فعل مستنكرة او منددة او تطالب "اسرائيل" بإطلاق سراح الاموال المحتجزة على الرغم ما طالعتنا به تقارير اخبارية توضح الواقع المالي للسلطة الوطنية و ما تعانيه من ضائقة شديدة تؤثر مباشرة على ادائها ,و تحذر من انهيار ليس للنظام المالي فقط وانما يتهدد بقاء السلطة الوطنية , وعلى الرغم من ذلك تصمد القيادة الفلسطينية مدعومة بشعبها الفلسطيني الواعي والمدرك لطبيعة الصراع مع هذا العدو اللئيم , والواقع المالي الفلسطيني يترك سؤالاً واحداً يقف في العراء..! اين شبكة الأمان العربية التي وعدت بدعم فلسطين بما مجموعه 100 مليون دولار شهرياً لم تلتزم بها الا دول عربية بعينها و اخر تسير ببطء السلحفاة ويحدث ذلك في ظل معادلات دولية تتساوق مع "اسرائيل" وتتناغم مع المواقف الامريكية من حل القضية الفلسطينية , جميعها مجندة لخدمة الرؤيا الاسرائيلية المبنية على وجود كيانات فلسطينية منفصلة عن بعضها وبذلك تمنع تحقق شروط قيام الدولة و اهمها الوحدة الجغرافية الموحدة والمتواصلة والمعلومة الحدود , ولأجل منعها تحقيق حلم الدولة الكاملة السيادة قامت بمصادرة الاراضي وفصلت مناطق عن بعضها بإقامة جدار الفضل العنصري , وتفصل القدس العاصمة عن الضفة الغربية ببناء حزام استيطاني يفصلها عن المحافظات القريبة منها والمتصلة بها .
لم تتبني دول العالم وخاصة من ذاع صيتها و تأثيرها في الحلبة الدولية أي قرار يدعو الي تحويل الاموال الفلسطينية منذ توقفت , والان باتت تحذر من تداعيات انهيار الوضع المالي للسلطة الوطنية وتدعو الى دعم خزينتها حينما وصل الامر للحظة اللاعودة وهنا استمرار الضائقة المالية الخانقة سيكون له انعكاساً علي قرار القيادة الفلسطينية بالتلويح الجدي بتجميد التنسيق الامني او حتي الغاءه وهو الامر الذي لن تحتمل "اسرائيل" تبعياته ويمثل هواجس رعب وخوف لا يمكن التنبؤ بالنتائج , ويعتبر هذا واحد من الخيارات الاستراتيجية الصادمة لمواجهة سياسات اسرائيل الاحتلالية و الهمجية وتعمل على كبح صَلفها وغُلوها وهمجيتها.
التنسيق الامني بين الجانبين الفلسطيني و الاسرائيلي هو البند الوحيد من مخرجات اتفاقية اوسلو الميتة الذي لازالت "اسرائيل" ملتزمة به ولا تعيق عمله لأنه حتما يخدم مصالحها وامكانية تجميده او الغائه باتت قاب قوسين او ادني ومطروح بقوة لدي القيادة الفلسطينية وخاصة انه يمثل رد عملي على سياسات اسرائيلية تعتمد على القوة و القرصنة ويبقي سؤال ينتظر من "اسرائيل" الاجابة علية كيف لها ان تواجه نتائج تجميد او الغاء التنسيق الامني , وقد يتعدى الامر اكثر من ذلك الى التلويح الفعلي بحل السلطة الوطنية الفلسطينية وبالتالي لا يمكن الحصول على وقائع ما يمكن ان تحمله مثل هذه القرارات التى تمتلكها القيادة الفلسطينية و قد تصبح حيز التنفيذ وليست مجرد تهديد لإثارة زوبعة فى الاعلام وخير دليل اقدام القيادة الفلسطينية على توقيع برتوكولات الانضمام للجنائية الدولية وما سبقها من توجه لمجلس الامن الدولي وفشله في حينه من استصدار قرار اممي ينهي الاحتلال الاسرائيلي بحلول نهاية 2017م رغم ما تعرضت له من ضغوطات كبيرة مُورست بحقها وطالت الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" وهذا لم يثنيه عن تنفيذ الارادة الفلسطينية النابعة من مصالح الشعب الفلسطيني و الغير خاضعة لسياسة الاملاءات الممارسة بحق كيانات سياسية مستقلة تجدها حاضرة على خارطة اطلس لكنها تعاني عدم استقرار القرار الوطني , وفى مثل هذه الحالة يتعين على "اسرائيل" المسؤولية عن الاراضي الفلسطينية التي لازالت وفق بنود القانون الدولي أراضي محتلة من قِبل "اسرائيل" وما سترتب على احتلالها لشعب وارض سيضيف لها ذلك اعباء كثيرة و تحديات كبيرة على كافة المستويات والمسارات و اهمها الامني العنصر الحساس في معادلة كيانية "اسرائيل" ووجودها مع شعورها بالتهديد الدائم و المتواصل حتي فى فترات هدوء جبهات المواجهة الرئيسة معها , وان كان هنالك تأثير على مجمل مناحي الحياة فى الاراضي الفلسطينية الا ان التداعيات العميقة ستشعر بها المنطقة الاقليمية برُمتها ودخول المنطقة بفوضى خلاقة تريدها امريكا و اسرائيل في المنطقة الاقليمية ولكن بشرط هام ورئيس ان تكون بعيدة عن حدودها كي تبقي تتابع بشغف ما يحدث فى المحيط وتدخل فقط في حساب الربح و الخسارة مما يدور و يخدم مصالحها وهذا المفهوم سرعان ما ينهار وتدخل في دوامة الفعل ورد الفعل وتلاشي الهدوء والامن وتفاقم الازمات خاصة الاراضي الفلسطينية مهيأة بشكل كبير لانفجار قد يتم في أي لحظة تُسرع "اسرائيل" من وتيرته بسحبها صاعق التفجير وهو ما لا يُحتمل و لا يُطاق بالنسبة لها حينها ستسارع الي رأب الصدع وستقوم مجبرة بتوريد العائدات الضريبية مع النظر للقضية بمنظور ابعد من تحويل الاموال وان كان هذا الاجراء بحد ذاته يعكس اجراءات وقرارات حكومات الاحتلال مهما اختلفت أيدولوجيتها لن تمنح الفلسطيني حقه وهنا يضع المنطقة ذاتها على مفترق طرق مرة اخري تحدد مسارته الارادة الفلسطينية الثابتة على الحق الفلسطيني و الغير قابل عن التنازل بمواجهة ارادة دولية حقيقية تفرض حل الدولتين وفق القرارات الدولية , ووفق المبادرة العربية التي تبنتها السعودية في قمة بيروت في العام 2002م , والا على اسرائيل ان تنتظر الأسوء و الاشمل و الاعم وحالة من تسونامي مقاتل مقاوم مناضل لا يهدأ حتي يحقق اهدافه المكفولة بالقوانين الدولية .