لن يختلف إثنان من شرفاء الوطن على أن المصالحة الفلسطينية خطوة في الاتجاه الوطنى الصحيح ، وهى مطلب لكل الشعب الفلسطيني خاصة سكان قطاع غزة الذين عانوا من ويلات الانقسام والحصار وباتت حياتهم أشبه بجحيم لا مخرج منه ، فالانقسام السياسى لشطري الوطن المنقسم جغرافياً بفعل الاحتلال الإسرائيلي كاد ينهى ست وستون عاماً من التضحيات ، وأوشك أن يعصف بالقضية الفلسطينية برمتها ، وخطوة الالتقاء وإنهاء الانقسام ورغم أهميتها تعد الخطوة الأولى في طريق طويل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة قادرة على تحقيق آمال وأحلام الشعب الفلسطينى .
لذا من الضرورة الاستفادة من تجربة الانقسام المريرة ومن أخطاءها الفادحة التى أثرت على كافة مكونات المجتمع الفلسطينى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولعدم العودة إلى مربع الانقسام مرة أخرى وعدم السماح لأحد أن يأخذ القضية الفلسطينية باتجاه أيدلوجيته ؛ يجب معالجة أهم أسباب الانقسام الرئيسية وهو إفتقار النظام السياسى الفلسطينى لوجود المؤسسة ، وهنا أتحدث عن المؤسسة بالمفهوم الشامل في كافة طبقات النظام السياسى ، وحكومة الانقاذ الوطنى القادمة يجب أن تقوم بتنفيذ ثلاث خطوات لتعيد للقضية الفلسطينية مكانتها الاقليمية والدولية :
*أولاً : بناء مؤسسة قوية على أسس وطنية بعيداً عن أجندات حزبية أو طبقية بمفهوم علمى حديث ، ويتطلب ذلك وضع الشخص المناسب في المكان المناسب الذى يعى تماماً أن المطلب الرئيسى منه بناء مؤسسة وظيفية وسط هذا الكم الكبير من الفوضى المتوارثة من البيروقراطية .
ثانياً : تحديد العلاقة وترسيمها بشكل واضح بين مؤسسة الدولة " السلطة الفلسطينية " والمؤسسة التنظيمية وبالتالى ضرورة إنهاء حالة الازدواجية ما بين التنظيم والدولة ، وضرورة توحيد البندقية الفلسطينية داخل مؤسسة أمنية جامعة لكافة الأجنحة المسلحة والتى تأتمر بقرار المؤسسة الوطنية الموحد وليس قرار التنظيم أو الحزب السياسى ، ولعل هذه الاشكالية بالإمكان حلها بدخول حركة حماس والجهاد الإسلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية مما يسهل إمكانية توحيد السلاح الفلسطينى لتحقيق الهدف الوطنى المشترك .
ثالثاً : بناء المؤسسة الفلسطينية وحل إشكالية الازدواجية بين العمل التنظيمى والمؤسسى يجب أن يترافق مع وضع استراتيجية بعيدة الأمد متفق عليها ويكون المواطن الفلسطينى هو العنصر الأساس في أجندتها ، والحفاظ على كرامته وحقوقه الوطنية محور عملها .
مرحلة ما بعد المصالحة مرحلة شائكة وصعبة ، ويجب تكاثف كل القوى الفلسطينية لتجاوزها ، وعلى الجميع إعادة الاعتبار للقانون الفلسطينى والالتزام به لتخطى هذه المرحلة الصعبة .
وعلينا أن ندرك أن نصرنا لن يتم بدون خلق نموذج فلسطينى مؤسسى قوى قادر على مواجهة الحكومة الاسرائيلية الرافضة لمنحنا حقوقنا المشروعة ... وللحديث بقية .
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية