الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

ما جدوى الكتابة؟

ما جدوى الكتابة؟

تاريخ النشر: 2026-02-22 | 20:07

في الكثير من الأحيان، وفي خلوتي أسأل نفسي ما جدوى الكتابة؟ ومثل هذا السؤال ظلّ يواجهني في المقابلات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي تُجرى معي، فماذا تعني الكتابة لي بعد عشرات المؤلفات التي اشتغلت عليها عقودًا من الزمن؟ وهل ثمة تغيير ملموس نحو الأفضل؟ أم ثمة تقهقر وتراجع وانكفاء؟

ويتفرّع عن السؤال المحوري العديد من الأسئلة والتساؤلات؛ لماذا نكتب؟ وماذا بعد الكتابة؟ وإلى أين؟ وهل ثمة علاقة بين الكاتب ونصّه؟ وهل النصّ وجه آخر من وجوه الكاتب؟ أم أن النص سيرة كتابية للكاتب؟ وماذا تعني الكتابة؟ وما موقع الكتابة من الحقيقة؟ وما هو دورها في التغيير؟

       وتلك الحزمة من الأسئلة والتساؤلات هي خلاصات لبعض الرسائل الإلكترونية التي تصلني من العديد من القرّاء والمتابعين شهريًا، ناهيك عن الحوارات الشخصية والصداقية التي غالبًا ما تكون ملح جلساتنا.

 وأستذكر حوارًا دار بين شاعر العرب الأكبر الجواهري وبيني في ثمانينيات القرن المنصرم، إثر قراءته لمقالة كتبتها في مجلة الهدف الفلسطينية عن العدوان الإسرائيلي، فسألني: وماذا يفيد ما نكتب في حين أن العدو يتوغّل فينا وينتشر بيننا، في الوقت الذي ترتفع الأصوات وتلعلع وتتوعّد بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ وماذا بعد؟ وتوقّف عند قصة الأعرابي الذي صادفه قطّاع طرق، فصادروا ما عنده وما كان يحمله من متاع، ثم عاد إلى مرابعه بخفيْ حنين، وحين سُئل عن الذي حصل، فروى لهم ما حدث، وختم بالقول: أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل؛ وهكذا ذهبت مثلًا يُقال ولا يُقاس.

 فهل الكتابة ذات جدوى حين يغيب الفعل الملموس؟ وهذا سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة لأنه ناجم عن أزمة، إذْ يمكنني القول إن الكتابة هي أول الطريق، فلا تغيير حقيقي دونها. فقد كانت الكتابة الممهّد الأول للثورة الفرنسية، وقد ساهمت مؤلفات فولتير "رسالة التسامح" ومونتيسكيو "روح الشرائع" وروسو "العقد الاجتماعي" في توفير البيئة الثقافية لنجاحها.

وبالطبع ثمة دوافع للكتابة:

أولها – إثبات الذات، وقد يكون ذلك أقوى الدوافع. وسبق أن قلت إن الكتابة دفاع عن النفس، ولا يوجد كاتب حقيقي لا يريد تأكيد ذاته وشخصيته بين الآخرين؛

ثانيها – إحساسه بالجمال، أي إدراكه قيمة الجمال، وعكسه إظهار القبح، ولعلّ لكلّ كاتب وجهة نظره بالجمال والقبح، مثلما هي بالخير والشر والعدل والظلم.

ثالثها – القدرة على التخيّل، وذلك بما له علاقة بصورة الواقع المتخيّلة إزاء الواقع المعيش؛

رابعها – الرغبة في رؤية الوقائع التاريخية وفحصها بما يخدم الحقيقة لتقديمها للآخرين، وفقًا للخلفيات الاجتماعية والثقافية لكل كاتب ورؤاه الفكرية؛

وخامسها – لكل كاتب دوافع فكرية وسياسية يستهدف من خلالها تغيير عادات الناس وأفكارهم وقيمهم، سواء على صُعد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الأدب والفن.

       ووفقًا لجان بول سارتر: الكتابة وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، وهي شكل من العمل للتأثير على العالم، في حين يعتبرها ألبير كامو واجبًا ومسؤولية، ويذهب فريدريك نيتشه لاعتبارها وسيلة للتعبير عن الذات وتحرير النفس. وهي عند غابريل غارسيا ماركيز تُدخل الفرح لدى الأصدقاء، أما الروائي جورج أرويل فيعتبر الكتابة الجيدة مثل زجاج النافذة، أي واضحة وشفافة تتيح للقارئ رؤية الأفكار بسهولة.

       لذلك ينبغي أن تكون الكتابة واضحة وبسيطة ودقيقة، وتمتلك حسًا جماليًا، سواء بالسرديات أو الأدب والفن بشكل عام، فضلًا عن التاريخ والاجتماع والسياسة والاقتصاد والإدارة وعلم النفس وغيرها، وهذا ما أعتقده؛ وفوق كل ذلك لا بدّ من تميّزها بعنصر الامتاع والفائدة والجدوى، على الرغم من المشاكل التي تعترضها والمعاناة التي تصاحبها والمكابدات التي يواجهها الكاتب مثل اللغة والبناء والنشر والرقابة والتلقّي والقبول والتأثير، فضلًا عن المعنى والدلالة.

       الجدوى من الكتابة حسب وجهة نظري هي التواصل الفعّال مع الآخر، القارئ، المختلف، المتفّق، القريب، البعيد، ومع جميع فئات المجتمع، إذا كان الكاتب يكتب للجميع، عابرًا للفئوية والمناطقية والإثنية والأديان، فبقدر عراقيتي، فأنا عربي ومشرقي ومسلم وإنسان كوني، وبهذا المعنى تكون الكتابة أيضًا رسالة إلى العالم ورحلة تعارف وتفاهم مع الآخر.

 ولذلك أرى أن الكتابة النقدية ضرورة للتنوير والتغيير والحداثة، ولا قيمة للكتابة دون نقد بنّاء ومتعدّد الأبعاد وخال من الغرض، حيث تُعرف قيمة التجارب بنقدها، وإلّا ستكون مثل الطبخة دون ملح. وينبغي على الكاتب الجيد أن يمتاز بالنقد والصدق والجرأة لخدمة هدف موضوعي، ولنشر القيم الإنسانية.

والكتابة بالنسبة لي روح، والكتب مفتاحها، إذْ لا كاتب مبدع إلّا إذا كان قارئًا مواظبًا، وإذا وجدت بيتًا يخلو من الكتب فتأكد أنه منزل بلا روح، والكتابة صلاة وبوح وموسيقى لتطهير النفس وتحريرها من الكراهية والحسد والضغينة والعنف، خصوصًا حين يتشبّع الكاتب بقيم السلام والتسامح والعدل.

نشرت في جريدة الزمان (العراقية) في 23 شباط / فبراير 2026.

×
أخبار
ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا شركات إسرائيلية تعرض تقنيات الأمن السيبراني في دبي وسط تبادل تجاري بنحو 3 مليارات دولار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط