تاريخ النشر: 2024-07-05 | 20:37
تاريخ النشر: 2024-07-05 | 20:37
سؤال يطرح في الغرف المغلقة ، وعبر الوسائل الإعلامية المتنوعة ، وكذلك شعبياً . فسكان قطاع غزة بكافة أطيافهم؛ وغالبا سكان الغلاف في البلدات والمستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة . يتسألون حول مستقبل الحرب و مصيرها . كونها مرتبطة بمصيرهم المعيشي بالمقام الأول ، و إن كانت بدرجات متفاوته . فمن يجلس في الخيام ( كأهل غزة ) ليس كمن يجلس في الاوتيلات تحت الإنفاق الحكومي ( كالإسرائيليين).
والذي يبدو أن القيادات الفلسطينية و الإسرائيلية الحالية لا تمتلك إجابة و اضحة لهذا السؤال. فهذا السؤال الصغير في حجمه شائك في تفاصيلاته . كونه يؤرق الشعب و القيادات الفلسطينية. بعد أن زادت إحتمالية أن يكون كل شئ في مهب الريح ( الأرض و القضية و السلطة و القدرات العسكرية للإحزاب) . كما ان هناك حالة تخبط إسرائيلية وأمريكية إلى جانب ترقب و قلق إقليمي من هذا السؤال . وذلك يرجع لعده أسباب أهمها التهور العسكري الجنوني لدى الساسه الإسرائيليين والذي من شأنه أن يدفع بالمنطقة برمتها إلى الهاوية . معللين ذلك بأن هناك خطراً وجودياً على كيانهم.
ومن أجل المحاولة للإجابة على هذا السؤال ، كان لا بد من محاولة فهم أسباب إشتعال الحرب على غزة . و التي بدأت بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر عام 2023م. والتي قد نحتاج إلى سنوات ودراسات عميقة لمعرفة أسبابها و تفاصيل أحداثها و إستشراف مستقبلها وتداعياتها المحلية و الإقليمية و ربما العالمية . فهي حرباً تختلف عن معظم الحروب السابقة التى شهدتها غزة وربما المنطقة الإقليمية أيضا. وعليه ومن خلال اجتهادنا يمكننا تفسير أهداف هذه الحرب مبدئياً ووفقا للمعطيات الحالية على النحو التالي :
الهدف الأول- تفرد حماس في التمثيل الفلسطيني و الحكم .
أي أنها حرباً مخطط لها مسبقاً و ذات أهدف تتعلق بحركة حماس وحدها . بمعني إنها بمثابة حرب توريث لا حرب تحرير . ونقصد هنا أن حماس أرادت من هذه الحرب أن تقدم نفسها للقوى الإقليمية و العاليمة ، بأنها الممثل الاقوى للشعب الفلسطيني . و هذا عرف بديهي في علم السياسة و الحروب . فحركة فتح نفسها قد زادت أهميتها و دورها وريادتها للمشهد السياسي الفلسطيني بعد معركة الكرامة عام 1968م، والتى فتحت من خلالها أبواب العديد من عواصم الدول العربية على رأسها مصر في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ؛ وكذلك العديد من الدول الاشتراكية الشيوعية بزعامة الإتحاد السوفيتي آنذاك. بينما حرب بيروت عام 1982م، والتى خسرت فيها حركة فتح تواجدها في لبنان ، أدت إلى إستقطاب العالم الغربي و الأمريكي لحركة فتح؛ و التى أدت في نهاية المطاف إلى توقيع إتفاق أوسلوا . وقد تبرر حركة حماس هذا الهدف ؛ إنطلاقاً من كونها قد سئمت ملف المصالحة الفلسطينية، و ان برنامجها السياسي لم ولن يلتقي مع حركة فتح . علما أن الأوضاع التى تعيشها حركة فتح و السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تعد الأسوء في تاريخ مسيرة الحركة. وأن حماس باتت ترى ان الظروف المحلية و الإقليمية و الدولية باتت مواتيه للبحث عن بديل لتمثيل الشعب الفلسطيني . و أن المعاناة التي تعيشها حركة فتح حقيقية ؛ ويمكن إرجاعها للعديد من الأسباب أهمها ، الممارسات الاسرائيلية السياسية و العمليات العسكرية بالاضافة الى التوسعات الاستيطانية في الضفة الغربية . اضافة الى انقسام حركة فتح الداخلي . كما لا يمكن تجاهل الإشكاليات الإدارية العميقة في أداء السلطة الفلسطينية . كما أن غالبية أبناء حركة فتح والعاملين في مؤسساتها و موظفيها في السلطة الفلسطينية ، قد تحولت من الفئة الثورية إلى الفئات النفعية . وعليه يمكن القول أن حركة حماس قد رأت ، بأن هذه فرصة لتقدم نفسها ممثلا عن الشعب الفلسطيني ، و أنهم الأجدر بزمام الحكم ، وذلك من خلال ثلاث ركائز:
الركيزة الأولى - إن حركة حماس قد ترى ان علاقاتها مع دول براغماتية كتركيا و قطر يمكن إعتبارهما وسيلة للوصول إلى البيت الأبيض ،و فتح باب الإتصالات المباشرة ما بين حماس و الولايات المتحدة الامريكية . وقد تكون هذه الإتصالات قد بدأت بالفعل؛ ولكن في نطاقها السري ولم تصل إلى مرحلة العلن. وفي الغالب سترحب إيران الحليف الاستراتيجي بأي إتصالات أو مفاوضات بين حركة حماس و الإدارة الأمريكية ، لعدة أسباب ، الأول، إن إيران ترتبط بعلاقات جيدة مع قطر . أما الثاني إن إيران نفسها لم تقطع إتصالاتها و مفاوضاتها مع الإدارة الأمريكية في الملفين الإقتصادي و البرنامج النووي الإيراني . أما الثالث، أن هناك بوادر لتحسين العلاقات التركية السورية وهو ما يحظي بترحاب إيراني . والذي من شأنه أن يسمح بمزيد من المساحة للدور التركي في السياسة الخارجية لحركة حماس.
الركيزة الثانية - قد تكون حركة حماس قد رأت أن هناك تغيرات دراماتيكية شديدة التأثير في المشهد الإقليمي و العالمي . وإن حماس باتت أكثر إقتناعا بأن التكتل الإقليمي الذي يتكون من ( ايران ، العراق ، سوريا ، لبنان ، اليمن ، غزة " فلسطين") و المقبول من تركيا. أكثر تماسكا من التكتل العربي . وقد يكون هذا المنطلق قد تعزز مع متغيرات السياسية الخارجية الروسية و الصينية . فروسيا تعيش أسوء علاقاتها مع الغرب ،حتى وصل بها الأمر إلى التهديد بإستخدام السلاح النووي الروسي ضد الدول الأوروبية ، في ظل تشابكات الموقف في الأزمة الاوكرانية . كما أن الصين باتت أكثر تحفزا في الإستيلاء على تايوان . و ان حماس ترى في هذه المتغيرات الإقليمية و الدولية ان الولايات المتحدة الامريكية ليست بأفضل حال. مما يجعلها تقبل فكرة إعتبار حركة حماس كممثل رسمي للشعب الفلسطيني. عند حدوث أي اتصالات ومفاوضات أمريكية مع حركة حماس.
الركيزة الثالثة – أن حماس و عبر السنوات الماضية قدمت نفسها إلى الحكومات الإسرائيلية و الأمريكية المتعاقبة بأنها تمتلك القدرة والإرادة للحفاظ على هدن وقف إطلاق النار. كما أن حماس سعت من خلال الحروب السابقة على غزة والحرب الحالية أن تقدم نفسها كقوة عسكرية لا يستهان بها أو تجاهلها. وعليه فإن حماس تقدم نفسها للولايات المتحدة الأمريكية و الحكومة الإسرائيلية وللعالم ، بأنها هي القوة الفلسطينية الوحيدة القادرة على فرض نفسها على الساحة الفلسطينية سلماً وحرباً.
الهدف الثاني- طوفان الأقصى خطوة في مسار التحرير الكامل لفلسطين .
ربما رأت حركة حماس أن طوفان الأقصى هو بمثابة ، خطوة في إتجاه تحرير فلسطين التاريخية في غضون السنوات القادمة. و قد تكون حماس و حلفائها قد وضعوا خطة من خمس إلى عشر سنوات ، والتى من المتوقع أن تبدأ على مراحل:
المرحلة الأولى- تتمثل بقيام حركة حماس في إهانة المؤسسة الأمنية و العسكرية الاسرائيلية. من خلال إقتحام واحداً من أصعب الحدود الفاصلة بين الدول، وهي الحدود ما بين غزة و دولة الإحتلال الإسرائيلي ، و هذا ما قد حدث فعلا . فقد مثل هجوم طوفان الاقصى ضربة موجعة لوحدة غزة وفرقتها السيبرانية العاملة في الجيش الإسرائيلي . هذه الخطوة سيكون لها تأثيرات على الصورة الذهنية التى رسمتها إسرائيل لجيشها في عقلية المواطن الإسرائيلي والعالم المحيط بها . علما ان استمرار الحرب حتى هذه الفترة يعزز هذا التوجه . فإسرائيل التى كانت تقدم نفسها بأنها القوى العظمي في منطقة الشرق الأوسط، لا تزال تواجه في غزة صعوبات عسكريه على مدار أكثر من 9 شهور ، بمنطقة جغرافية لا تتجاوز 365 كم. على الرغم انها لا تواجه جيشا بل مجموعات مسلحة تابعة للفصائل الفلسطينية بإمكانيات بسيطة .
المرحلة الثانية – بات واضحا أن هناك ملامح إتفاق ما بين قوى دول المحور. وقد بدأ ذلك بالظهور تصاعدياً منذ اللحظة الأولى لعملية طوفان الأقصى. بعد أن تعرضت دولة الإحتلال الإسرائيلي إلى هجمات عسكرية متنوعة على الجبهة اللبنانية. بالإضافة إلى عمليات نوعية في البحر الأحمر تستهدف كل ما من شأنه أن يحقق أي منفعة لدولة الإحتلال الإسرائيلي ؛ وذلك من قبل القوات الحوثية في اليمن .
المرحلة الثالثة – تتمثل في حال بدأت ملامح هزيمة عسكرية لحركة حماس في الأفق . فإنه يجب على حزب الله زيادة حدة التصعيد إلى أن تصل لمرحلة المواجهة العسكرية المباشرة . إلى جانب الاستعداد لفتح جبهة جديدة تتمثل في الجبهة السورية عبر الجماعات الإيرانية المسلحة . وفي حال إستخدمت إسرائيل أسلحة قد تقلب المعركة لصالحها ضد حزب الله. فمن المتوقع أن تشهد المنطقة تدخلاً إيرانياً عسكرياً مباشراً ، وذلك يعني إشتعال حرباً إقليمية في المنطقة. مع العلم أن إيران ، تفضل عدم قيام حرب شاملة بين دولة الإحتلال الإسرائيلي و حزب الله . وذلك ربما لرغبة إيران في إعلان إمتلاكها السلاح النووي.و هذا يعني أن إيران في حال صدقها مع حلفاؤها و بالتحديد في مسألة تحرير فلسطين ، قد تشكل قوة ردع كبيرة لإسرائيل مما يعزز من تواجد حلفاء إيران في المنطقة .
بإختصار هذا الهدف سوف يضع إسرائيل أمام خيارات في غاية الصعوبة ، الخيار الأول أن تبقى إسرائيل في حالة إستنزاف " صراعات عسكرية " لسنوات من قبل الجبهة اللبنانية و جبهة غزة و جبهة الضفة الغربية و الجبهة اليمنية و جبهة العراق ، و في الغالب أيضا الجبهة السورية قريباً. أما الخيار الثاني أن تترك إسرائيل المساحة و الوقت عبر إتفاقيات وهدن ، لحلفاء إيران الإقليميين للإستعداد أكثر لحرب إقليمية و اسعة في غضون السنوات القادمة . وكلاهما في الحقيقة يشكلان صراعا وجودياً لإسرائيل.
الهدف الثالث – حرب لأهداف محددة وبسيطة، فقد السيطرة عليها .
بعيداً عن التهويل ربما هذه الحرب ، التي بدأت بهجمات من قبل مقاتلي القسام على المناطق الإسرائيلية المجاورة لقطاع غزة ، كانت لأهداف بسيطة ومحددة. الأول ، يتمثل في رغبة حركة حماس في إطلاق سراح الاسرى الفلسطينين من السجون الإسرائيلية ، و تحقيق بعض المكاسب المتعلقة بأزمة حصار غزة فحسب . وان زمام الحرب قد فلتت من عقالها . وان حماس تفاجأت من إنفلات الأمور بعد أن دخلت قوات القسام مسافات بعيدة لم تكن ضمن الخطة ، و ان قوات المقاومة الفلسطينية إندفعوا وبشكل عفوي و دون تخطيط ، فقتلوا وأسروا بشكل يفوق التوقعات .
أما الثاني ، ان حركة حماس كانت أذكى من كل القراء للمشهد و إنهم وضعوا إسرائيل أمام خيارين كلاهما صعب. الأول ،إما نصراً عسكريا أمام إسرائيل و زيادة قوة الردع وإجراء صفقة تبادل اسرى . أو ان ترتكب إسرائيل مجازر كرد فعل؛ و بالتالي جعل القضية الفلسطينية قضية عالمية بصفتها الإنسانية. و ذلك من شأنه تحريك الملف السياسي الفلسطيني، بعد حالة من الخمول و العجز الكبير في السياسة الخارجية الفلسطينية في السنوات العشرين الماضية. وبكل الأحوال "فلسطين" قد حققت مكاسب إنسانية وسياسية بحاجة إلى المزيد من الجهد لإستثمارها . فهل ستنجح السلطة الفلسطينية و الأحزاب الفلسطينية من تحقيق مكاسب سياسية و إعادة إحياء القضية الفلسطينية عالميا؟ وقد يزداد أهمية هذا الهدف في حال قدوم دونالد ترامب " التاجر السياسي " رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ؛و الذي يمتلك برامج ورؤى من شأنها تصفية القضية الفلسطينية ؛والتى وضحت معالمها في فترة رئاسته السابقة. فالطريق أمام ترامب على المستوى الشعبي و الإنساني و الأخلاقي لن يسمح له بالذهاب بعيداً في تطبيق أفكاره تجاه تصفية القضية الفلسطينية.
الهدف الرابع - حرباً إستخباراتية.
هنا يمكن للمفكرين و المحلليين و الباحثين و المواطنين ، الوقوف عاجزين عن فهم أهداف هذه الحرب . كونها تأتي كحزء من الصراع الأمني بين المقاومة الفلسطينية و بين دولة الإحتلال الإسرائيلي . فربما جاءت هجمات طوفان الأقصى وفقا لمعلومات أمنية لدى حركة حماس بأن إسرائيل كانت تنوى شن هجوم مفاجئ ضد غزة؛ وان هجمات حماس كانت إستباقية فقط لا أكثر. أو ان هناك ثغرة أمنية لدى المقاومة أدت إلى إيصال معلومات حساسة عن أنفاق و معدات للمقاومة لإسرائيل ، فقررت المقاومة استخدامهم قبل استهدافهم .
وفي كل الأحوال حصول حماس على معلومات أمنية من إسرائيل ليست مستحيلة في ظل الحروب السيبرانية . فإيران الحليف الأكبر لحركة حماس تعتبر واحدة من أقوى دول الشرق الأوسط في الأمن السيبراني . و بالتالي من الممكن أن تخترق إيران الأجهزة الأمنية في إسرائيل و الحصول على معلومات أمنية ، أو من خلال حلفاء إيران كحزب الله. أو من بعض النشطاء السيبرانيين التابعين لحماس و المنتشرين في العديد من الدول . و في حال كانت الحرب أمنية إستخباراتية بالمقام الأول ربما روسيا و تركيا تكونان حاضرين في المشهد .
مستقبل غزة في ميزان السياسة و الحكم
وفقا للمعطيات السابقة والتي حاولت توقع الأهداف الحقيقية لقيام حركة حماس بعملية طوفان الأقصى. و إنطلاقا من الأحداث الميدانية العسكرية و الإنسانية الجارية ، و قراءة للواقع السياسي الإقليمي و الدولي ، فإنه يمكن توقع مستقبل غزة السياسي و طبيعة نظام الحكم ،في المنظور القريب فقط، على النحو التالي :
السيناريو الأول - حالة صراع عسكري مؤقت.
من المتوقع أن تبقي غزة في حالة صراع عسكري أقل حدة من الحرب لفترة تتراوح ما من عام إلى خمس أعوم على أكثر تقدير . ويمكن القول إن هذاالسيناريو "حالة الصراع" تسميه إسرائيل بـ " المرحلة الثالثة" ، والتي تدعي إسرائيل بأنها سوف تسعى من خلالها القضاء على الفلول العسكرية لكتائب القسام و الأجنحة العسكرية الأخرى . و يمكن تشبيه الأوضاع الإنسانية و الأمنية في غزة من خلال هذا السيناريو؛ إما بحالة غزة في الفترة ما بين الأعوام "2000-2005 " إنتفاضة الأقصى، بأحسن الأحوال ؛ أو حرب العام 2008م بأسوء الأحوال ، والذي يتمثل في قصف جوي و إستهدافات و إغتيالات ، و عمليات برية محدودة .
و في هذا السيناريو سوف تبدأ ملامح الحياة البسيطة تعود لغزة تدريجياً ، إلا أن هذا التحسن سيكون طفيفا .بهدف الإبقاء على وجود معاناة إنسانية أقل حدة من الواقع الذي عاشه سكان غزة على مدار الحرب التي بدأت منذ السابع من أكتوبر. أما خطورة هذا السيناريو تكمن في حال إستمرار المعاناة الإنسانية ، مع حدوث إنفراجة في إدارة معبر رفح، أو نجاح فكرة المعبر البديل؛ والتي من شأنها أن تؤدي إلى حدوث هجرة بعشرات الالاف من قطاع غزة نحو الخارج. كما من المتوقع أن يبتعد الإعلام عن التغطية لمجريات الأحداث في غزة ، إلى جانب إصابة المتضامين الدوليين بحالة من الملل .
السيناريو الثاني – إعادة حكم حماس المنفرد " و غزة بداية الدولة ".
قد تصبح حركة حماس هي الحاكم الوحيد في قطاع غزة ، وقد يمكن تحقيق هذا السيناريو في حال نجحت المقاومة في غزة بتوجيه ضربات موجعة لإسرائيل. و هذا مرتبط بمدى قدرة حماس بالإحتفاظ بقدراتها العسكرية لفترة زمنية طويلة، سواء من حيث العدة أو التنظيم أو التخطيط . إلى جانب إستمرار الضغط العسكري من قبل حزب الله اللبناني على الجبهة الشمالية . ( بمعني انتهاء السيناريو الأول المتمثل في الصراعات العسكرية المؤقتة ) ، وقد يتعزز هذا السيناريو في حال حدوث تغيرات في شكل الحكومة الإسرائيلية الحالية ، أو حدوث ضغوط دولية تؤدي إلى وقف الحرب على غزة " كنجاح مبادرة الرئيس الأمريكي بايدن". وفي حال نجحت حركة حماس في الوصول إلى هذا السيناريو ؛ قد تكون حكومة حماس القادمة في غزة على شاكلتين. الأولى حكومة مقاومة بحتة ، والتي من المتوقع أن تسعى إلى تسخير كافة الموارد لخدمة برنامجها ، وإعادة تسليح نفسها ، و هذا من شأنه إطالة أمد الإعمار في غزة؛ وان الحياة الإنسانية و الإقتصادية و الإجتماعية ستكون في غزة صعبة و معقدة، و بالتالي يبقى باب الهجرة مفتوحاً . أما الشكل الثاني للحكومة يتمثل في قيام حركة حماس بإختيار حكومة خدماتية مدنية بحتة قادرة على إنقاذ الناس من حال الخراب و الدمار التي لحقت بهم.
السيناريو الثالث - حكم حماس المقيد " غزة و الدور الدولي ".
قد تنتهي الحرب من خلال إتفاق ما ينص على وجود لجنة إدارية خدماتية تختارها حركة حماس من كفاءات بعيدة عن قيادات الحركة البارزين على أقل تقدير . إلى جانب نشر قوات دولية أو إقليمية في غزة تتولى ملف الحماية للحدود الفاصلة بين غزة و إسرائيل . وقد ترى حماس وإسرائيل أنفسهم مضطرين للقبول والتسليم بهذا السيناريو نتيجة لقناعة الطرفين ان الحسم العسكري بينهم بات مستحيلاً . علما ان هذا السيناريو لا يشكل مكسباً لأي طرف إلا إنه قد يرضي غرور الطرفين و يحقق أهدافهم الحزبية و الشخصية فقط . إلا أن ما يعيب هذا السيناريو إنه بحاجة إلى مزيد من الوقت للتطبيق ، في ظل وجود القيادات الحالية سواء في إسرائيل أو القسام . كما ان حكم حماس المقيد سوف يضع عراقيل أمام الاستقرار والهدوء المطلق ، فالحرب الإعلامية و الاحتكاكات العنيفة قد لا تغيب عن المشهد الميداني . وان هذا السيناريو قد يشهد تحسنا في الجوانب الإنسانية ، إلا أنه سيكون هناك صراعا أمنيا يحول دون تسهيل المهمه أمام القسام في إعادة بناء نفسه بسهوله.
السيناريو الرابع - نموذج العراق . " طموح اسرائيلي".
قد يكون هذا السيناريو هو حالة أكثر تقدماً من السيناريو الثالث . ويقصد في هذا السيناريو زيادة الدور الأمريكي في ملف قطاع غزة ، من خلال تواجد أمريكي أمني مباشر. مهمتها الإشراف على القوى الدولية التي من المتوقع توجدها في غزة وتحديداً في المناطق الحدودية. إلى جانب الإشراف على بناء الأجهزة الأمنية في قطاع غزة . كما من المتوقع أن تقوم اللجنة الأمريكية بإختيار إدارة جديدة لقطاع غزة ، سواء عبر توليفه من شخصيات عشائرية و أكاديمية وبالتنسيق مع السلطة الفلسطينية في بعض الملفات . هذا النموذج يواجه تحديات في غاية التعقيد تتمثل في صعوبة قبول الفلسطينين الشرفاء بأي منصب إداري تحت إشراف أمريكي إسرائيلي؛ فتهمه الخيانة العظمي سوف تطارهم . كما انه في حال نجحت الإدارة الأمريكية في تشكيل لجنة لحكم غزة فإن عناصرها سيكونوا في دائرة الإستهداف الأولى لرجال المقاومة . لتشهد على أثرها الساحة الغزية إغتيالات وإعتقالات لفترة زمنية قد تصل إلى سنوات ، إلى أن يقضى أحداهما على الآخر. فإما أن تنجح اللجنة الحكومية الجديدة ومن خلال الدعم الأمريكي و الإسرائيلي و الدولي بالقضاء على حركات المقاومة كقوة عسكرية ، أو أن تنجح المقاومة في القضاء على الفكرة من البداية ، أو القضاء عليها بعد تشكيلها. وهنا يجدر التنويه أن هذا النموذج قد فشل في العراق ، و ان العراق بات أقرب لإيران بعد ذلك في العديد من الملفات السياسية و العسكرية . وهنا نوصي القيادة الفلسطينية بكافة أطيافها أن لا تعتبر ذلك مؤشرا حتميا لفشل هذا النموذج. فالمتغيرات الجغرافية و الأيديولوجية في العراق مختلفة تماماً عما هو الحال في غزة. وعلى كل الشرفاء رفض هذا النموذج من الأساس.
السيناريو الخامس- عودة السلطة الفلسطينية .
في حال إستمر الضغط الأمريكي على إسرائيل ، مصحوبا بإشتداد حالة الإضطراب السياسي في داخل إسرائيل ، إلى جانب إستمرار التصعيد الأمني و العسكري في الجبهة الشمالية مع حزب الله . قد تضطر إسرائيل و تقتنع بأنه لا يوجد أمامها حلول منطقية و واقعية سوى إرجاع السلطة الفلسطينية إلى غزة ، و قد نشهد هذا السيناريو. مع ضمانات عربية و أمريكية على إعادة تأهيل المؤسسات الأمنية في السلطة الفلسطينية والإشراف على أدائها . هذا السيناريو قد يكون مرفوض من قبل حركة حماس على أقل تقدير الآن، إلا إنه من الممكن أن يتغير مستقبلاً ، على قاعدة المضطر. مع العلم ان هذا السيناريو قد يكون مقبولاً في الشارع الغزي إلى حد ما . على إعتبار بأنه أفضل الحلول الموجودة على الساحة في المنظور الحالي، و ان وجود السلطة قد يقدم حلولاً أسرع في مجال إعادة اعمار قطاع غزة . على إعتبار ان السلطة جسماً ليس بغريب عن الواقع، و انه يمتلك أدوات قادرة على تحسين ملحوظ على المستوى المعيشي في غزة بفترة زمنية قصيرة ، و هذه تعتبر واحدة من أهم مطالب الشعب في غزة حاليا.
السيناريو السادس- سيناريو الرعب " الفوضى الدموية" .
ويتمثل هذا السيناريو بإعلان إسرائيل إنسحابها من قطاع غزة ، مع تأكيدها بأن أي حراك حكومي أو سياسي أو عسكري لحماس مرفوض . و عليه تنتهي الحرب ولم ينتهي إستهداف أي عمل لحماس . هذا السيناريو سيخلق حالة من الفوضى والفلتان الأمني ليترك أهل غزة يتلقون مصيرهم على قاعدة صراع البقاء ، و بالتالي إنهيار كامل للمنظومة الإقتصادية و الإجتماعية ، و هذا يعد أخطر السيناريوهات. فنشهد صراعات عائلية تارة ، و صراعات حزبية تارة آخرى . مع العلم قد ترفض الحكومة الإسرائيلية حدوث هذا السيناريو خشية من ظهور جماعات عسكرية أكثر تطرفاً من منظور إسرائيلي .
ختاماً- منطقيا يمكن القول أن الهدف الثالث " حرب لأهداف محددة و بسيطة فقدت عقالها" أو الهدف الرابع" الحرب الاستخباراتية" ، هما المسببات الأقرب لقيام الحرب . أما الأهداف الآخرى تأتي في الخلفية من بعيد. أما حول السيناريو الأقرب لمستقبل غزة ، نقول ووفقا لكل ما سبق ، فإن معظم السيناريوهات في غزة ليست جيدة . وأن مدى تماسك حماس العسكري يعد رمانة الميزان في إختيار أي سيناريو قادم . وعلى الرغم إننا ولحين كتابة هذا المقال؛ فإننا مقبلين في الأيام القادمة على السيناريو الأ ول " الصراع العسكري المؤقت" ، والذي لن يدوم طويلا للنتقل بعدها إلى واحداً من السيناريوهات المتبقية والأقرب هو السيناريو الثالث "حكم حماس المقيد" أو السيناريو الخامس "عودة السلطة الفلسطينية للحكم". على الترتيب. وان كنت أتمنى ان يصنع سيناريو فلسطيني خالص ، يتمثل في تشكيل إدارة خدماتية مؤقتة لقطاع غزة ، تحظى بدعم السلطة الفلسطينية و حركة حماس و كافة القوى الفلسطينية . تعمل فقط من أجل خدمة الناس و تثبيتهم في أرضهم.