تاريخ النشر: 2020-07-16 | 20:14
تاريخ النشر: 2020-07-16 | 20:14
لعل حديث الوسط الفلسطيني اليوم يتمحور حول قانون الضم وطرق مواجهته، ولكن من الغريب أن لا تتوقع النخب الفلسطينية هذا المسار الحتمي الذي يودي إلى بناء هذا القانون، وحتى إن توقعت الاخيرة بذلك فإن القيادة الرسمية لم تحرك ساكن اتجاه بناء خطة مواجهة قبل خوضها، ويشار هنا أنه منذ نكسة 1967، يقترح سياسيو الصهاينة ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها إلى كيان الاحتلال، وكانت القدس الشرقية أول ما تم ضمه، والذي كان بحكم الأمر الواقع نتيجة وقوعها تحت الاحتلال الصهيوني بعد حرب 1967، وصدر قانون ضمها "قانون القدس" في 30 يوليو 1980 والذي رفضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 478.
وتم تطبيق القانون الصهيوني على المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية، مما أدى إلى ظهور مصطلح "قانون الجيب" أو "العدالة القائمة على الجيب" لوصف النظام القانوني الناتج.
وأُعلن عن ضم غور الأردن، والذي اقترح لأول مرة في خطة آلون عام 1967 بواسطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في سبتمبر 2019، ورهن ضمه للغور بنتيجة الانتخابات تلك التي استطاع أن يحقق مكاسب فيها تلاها تشكيله للحكومة.
ومع أهمية النظر للتاريخ لفهم الواقع وبناء مستقبل أكثر وضوحاً، فإنه يستوجب علينا بهذا الصدد أن نعالج المعضلة التي نواجهها اليوم وهنا نقصد "قانون الضم" بأسلوب يضمن تخطي الازمة الحالية، بالإضافة إلى تطوير سبل المواجهة أمام ما نتعرض له من محاولات يومية لالغاء الوجود الحضاري الفلسطيني على أرضه.
وبالتالي فإننا نرى أنه يجب العمل على ثلاث جبهات لمكافحة قانون الضم، الأولى هي المقاومة والثانية هي اصلاح النظام السياسي الفلسطيني، والثالثة هي الاطار الدبلوماسي.
1: تشكيل جبهة مقاومة شعبية موحدة:
إن مقاومة المخطط التهويدي وخطة الضم وصفقة ترامب، تتطلب صياغة آلية لذلك، تبدأ بتشكيل "جبهة مقاومة شعبية موحدة"، يكون لها قيادتها وأدوات عملها منفصلة كليا عن الأطر الرسمية، مفتوحة لكل فصائل العمل الوطني والشخصيات العامة، ومؤسسات العمل الأهلي، لتكون جبهة موحدة هي من يحدد اشكال المقاومة للمخطط المعادي.
إن تشكيل "جبهة مقاومة شعبية موحدة"، تمثل رصاصة الانطلاق نحو التصدي للخطة الصهيونية – الأمريكية، وتنقل حركة العمل من متاهات الكلام الى حركة تنفيذ الرؤية السياسية الوطنية، ويمكنها مركزة العمل المقاوم، وتجربة "القيادة الوطنية الموحدة" لا تزال في الذاكرة، حيث لعبت دورا مركزيا في الانتفاضة الوطنية الكبرى، رغم الحالة الانشقاقية التي أعلنتها حركة حماس، لكنها لم تتمكن من إنهاك "القيادة الموحدة".
إن إعلان "جبهة المقاومة الموحدة"، يضع حدا للعشوائية السائدة في العمل الرافض للمخطط المعادي، كما انها ترسل رسالة سياسية رئيسية مفادها أن المعركة قائمة، ولم تعد خيارا بل هي الخيار الوطني الوحيد، وتمنح الشعب الفلسطيني طاقة مضاعفة، وتربط بين الكلام المقال الذي فقد كثيرا من "صدقيته" والرد العملي.
2: قانون الضم أخطر كنتيجة للوضع الداخلي:
عند نقاشنا لقانون صهيوني منصوص، لابد من التطرق بطبيعة الحال إلى الوضع الداخلي الفلسطيني، إذ يعتبر هو الخط الأول وربما الأخير الذي تجري به ومن خلاله مواجهات من هذا النوع، لاقصاء القانون، وبطبيعة الحال فإن الوضع الفلسطيني لا يبشر بالخير إذ هو مغطى بطبقات أولها الانقسام وثانيها الذاتية وثالثها ضياع الهوية.
ومن هنا فإنه لدى تشخيصنا للحالة الفلسطينية الراهنة ودون الاسهاب في شرح الحالة المفجعة التي وصلنا اليها شرحاً نظرياً وصفياً، فإنه الأجدر بنا الاجابة عن الاسباب التي أوصلتنا إلى هنا مع الاقرار المطلق بضرورة حلها لمواجهة الضم وغير الضم من قرارات الاجرام الصهيوني، وتتمثل الاسباب التي أدت إلى خروج تلك الآفات الداخلية في:
أولاً: الفكر السياسي الفلسطيني بين الشخصنة والرهانات والاشكاليات:
فبدلاً من ان تغير الثورة الفلسطينية تقليدية المجتمع القائم على الشخصنة وتؤدي دورها كرافعة للعصرنة، أصبحت وبعد مرور برهة ذهبية وجيزة خفتت بعدها الروح والحيوية الفدائية من أهم الأدوات المفعلة والمكرسة لهذه التقليدية.
وبالاطلاع على تاريخ الفكر السياسي الفلسطيني على مدى قرن أو أكثر من الزمان تقريباً، فإنه كان تاريخ اشكاليات قديمة – متجددة، وتاريخ رهانات، أما الاشكاليات فقد نجمت عن خصوصية القضية الفلسطينية وتداخلاتها، وأما الرهانات فقد نبعت، أساساً من الاختلال الكبير في موازين القوى بين الطرفين الرئيسيين المتصارعين على الأرض الفلسطينية.
ثانياً: تكلس السياسة الفلسطينية:
نظراً إلى آثار هيمنة العامل السابق، لكن ليس بسببه فقط، ومع أن الساحة السياسية الفلسطينية شهدت منذ سبعينيات القرن الماضي كثيراً من الأحداث التي تتكرر معظمها لعدم استخلاص العبر، إلا أن التكلس أصاب الحياة السياسية، وما أقصده بالتكلس هو غياب الدينامية والنزعة النقدية المحاسبة والنقاش الحيوي المؤثر في عملية صناعة القرار السياسي الذي أصبح منمطاً ومحكوماً لشخوص وأطر ونظم وسياسات ثابتة وجامدة، ومواقف الموالاة و المعارضة على حد سواء أصبحت كأنها عقائدية لا زحزحة فيها أو عنها، ولا إمكان لأن يقوم طرف بإقناع طرف، فالثبات على المواقف أصبح الفضيلة الأساسية الأعلى، لا للمراجعة الذاتية، ودائماً مع دحرجة اللوم على الأطراف.
ثالثاً: تلف منظومة القيم المجتمعية:
شكلت اندفاعة حركة الكفاح المسلح الفلسطيني بعد هزيمة سنة 1967 رافعة فعلية ومعنوية ليس للفلسطينيين وحدهم، وإنما للعرب عموماً، إذ وجدوا فيها العنوان المرتجى للتعبير عن الذات الوطنية الرافضة للتسليم بالأمر الواقع والاستسلام، حيث كانت هذه الحركة شاحذة للمشاعر ورافعة للمعنويات ومفجرة للطاقات، فمثلت الهوية الوطنية بجميع مكنوناتها، وكذلك العنوان الشرعي الوحيد للنضال في سبيل استعادة الحقوق الوطنية المستقلة، أما الفدائي فمثل غاية المنتهى وزبدة الخلق وقمة العطاء.
وبما أن حركة الكفاح المسلح الفلسطيني شكلت محور الاستنهاض ووسيلته بعد الهزيمة، فقد حظيت بإجلال وتقدير وصل إلى حدود القدسية وهو ما منح القيادة الفلسطينية ولاء الفلسطينيين الخالص.
ولكن مع الدخول في مسار المفاوضات العبثية وفشلها، حيث ظهر بوضوح أن المفاوضات كآلية وحيدة للتقدم السياسي لم تؤد إلى حل مقبول من الجانب الفلسطيني، وخصوصاً بعد وصول نتنياهو إلى الحكم في سنة 1996، وسعيه الدائم لإفشال المفاوضات، وبعد كامب ديفيد في صيف سنة 2000، وما تلا ذلك من تولي السلطة للحكم بعيداً عن الثورية المعهودة والمحببة بالنسبة لشعبنا الفلسطيني، بدأت عملية كسر التحالف الشعبي بين القيادات والقاعدة الجماهيرية، ما أدى إلى الانشغال بالهموم الاجتماعية من جهة ومن جهة أخرى إلى ضعف مصداقية القيادات أمام جماهيرهم.
وبهذا فإن اصلاح الأولى يعطي اجماع وطني حول أي قرار يتحمل بموجبه جميع القوى المسؤولية الوطنية أمام الشعب عند اتخاذ القرار، أما الثانية فسينتقل التكلس إلى المرونة بفعل اصلاح الأولى على أساس الشراكة من جهة ومن جهة أخرى الابتعاد عن المصالح الضيقة وتقديم الوطني عن الذاتي، أما الثالثة فهي الأساس وذلك لان تشكيل حاضنة مجتمعية للقرارات السياسية والوطنية هو المعطى الأهم لنجاح أي منها.
ثالثاً: العمل الدبلوماسي:
بطبيعة الحال فإننا لا نعيش وحدنا على هذه الأرض، وحتى إن كانت سياسة القوة هي القوة الحقيقية الدبلوماسية التي يأخذ بها، فإنه يجب علينا أن نشكل حاضنة دبلوماسية من القرارات والأطر القانونية لتثبيت الحضور الدبلوماسي والذهني في عقول القيادات العالمية من جهة ومن جهة أخرى شعوب العالم، حيث أفلحت بعض الشيء المساعي الدبلوماسية في تحقيق رفض دولي لقانون الضم مع علمنا الاكيد بعدم أهمية هذا الشيء في الواقع المعاشي والنضالي، حيث تعتبر مخططات وسياسات وإجراءات سلطات الاحتلال الصهيوني التي تستهدف الضم والسيطرة وفرض السيادة بالقوة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، انتهاكا صريحا وواضحا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وللقانون الدولي الجنائي وللقانون العرفي الدولي أيضا، وكذلك لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فهي تنتهك بشكل واضح وصريح المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر ضم الأراضي واستعمالها بالقوة، والقرار 242 (1967)، الذي شدد على "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب"، ودعا الى "انسحاب القوات المسلحة الصهيونية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير"، وكذلك قرارات مجلس الامن 2334 و440 و452 و465 و471 و476 التي تؤكد عدم شرعية المستوطنات بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
ولقي قانون الضم معارضة حقيقية دولية وواسعة لفكرة ومضمون المشروع الصهيوني الإجرامي المسمى صفقة القرن وما يتفرع عنه من توجهات تنفيذية عدوانية لنتنياهو وحكومته وكتلته اليمينية الارهابية لضم ومصادرة وبسط السيادة الإستعمارية على الأراضي الفلسطينية سواء كانت بدايتها من ضم " المستوطنات " التي تمثل نقاط إنطلاق عدوانية لميليشيات المستوطنين أو تلك المقامة في عمق أرض الضفة الفلسطينية أو في اي مكان عليها او بضم الاراضي التي تمثل حدود الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال في الأغوار وشمال البحر الميت .
بالإضافة إلى ذلك فإنه يمكن الاستثمار من المعارضة الصلبة من منظمات حقوقية ودولية ومن مجلس حقوق الإنسان لفكرة الضم من حيث المبدأ لتناقضها وانتهاكها لاتفاقيات جنيف خاصة ولميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولي عامة .
مع ملاحظة ارتفاع منسوب وصوت الدول " خاصة من المحسوبة تاريخيا كحليف إستراتيجي للكيان الصهيوني بل وصانعته " والقوى المطالبة بفرض عقوبات على الكيان الصهيوني في حال تنفيذ مخططه العدواني التوسعي تدريجيا أو جزئيا أو جملة واحدة، حيث وقّع 1080 مشرعا من 25 دولة أوروبية على عريضة تطالب وزراء الخارجية في دولهم بمعارضة خطة "صفقة القرن"، التي طرحها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ومخطط الكيان الصهيوني بضم مناطق واسعة في الضفة الغربية المحتلة، وعبروا عن تأييدهم لتصريحات الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بأن الضم "لا يمكن أن يمر بهدوء"، ووصف رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، في تصريحات صدرت في 16-6-2020، أن بلاده تعارض بشدة مخطط الكيان الصهيوني لضم الضفة الغربية، واصفا إياه بأنه "يرقى لانتهاك القانون الدولي".
ختاماً، فإن الشعب العربي الفلسطيني، الذي خاض معارك ضارية متصلة من أجل الحفاظ على وطنه والدفاع عن شرفه وكرامته، والذي قدم عبر السنين قوافل متتابعة من الشهداء الخالدين، وسطر أروع صفحات البذل والتضحية والفداء، لن يستكين ولطالما كان هو المخًلص والمخلص لقضيته مهما تكالبت الظروف عليه.