تاريخ الدول مجموعة من التجارب والتحالفات التى ترسم من خلالها شكل وعيها وتوجهها السياسى ، مما لا يؤثر على تطوير مفاهيمها وقيمها التواصلية ، ومنطق تفكيرها ، وتمنحها إمكانية إرتدادها على العدة الفكرية المتحكمة فى العقول بإقفالها وعقدها ، وتقدم للمشهد السياسى قراءة لهذه التجارب واستخلاص الدروس والعبر منها والاستفادة من حصادها المعرفى .
تمكنت الدبلوماسية السعودية من إتمام المصالحة القطرية المصرية ، وإعادة قطر الى البيت الخليجى بجهود سعودية بعد محاولات من التقريب والاتفاق بين الأطراف المختلفة ، تلك هى قطر التى سحبت ست مليارات دولار قيمة ودائع لها بمصر عند سقوط حكم الإخوان ، ووقتها أنقذت السعودية والإمارات مصر اقتصاديا وصاغت معها مشروع سياسى تنهى حلقاته بضم قطر التى تجمعهما معايشات مشتركة لتضعف مشروع الاخوان المسلمين والتنظيمات الاسلامية المتمردة فى سوريا وإيران ، وتأتى هذ المصالحة لمجابهة المحور العثمانى الإخوانى والمحور الفارسى الشيعى .
العلاقات الدولية تدار بأكثر تروى مما يراه البعض فهى قائمة بالأساس على المصالح المشتركة المتبادلة ، وبعد سقوط المشروع العثمانى الإخوانى سيكون لتركيا(العدالة والتنمية ) قراءة خاصة للمشهد السياسى ، خاصة بعد خروج قطر ولو ظاهرياً عن محورها الإقليمى ، وستؤثر بالطبع هذه المصالحة على مكانة تركيا فى المنطقة والتى أصبحت الآن بمفردها خاصة إذا جددت ايران علاقتها مع مصر ضمن صفقة سياسة لترتيب أوضاع المنطقة بدعم دولى لعقود قادمة .
حالة من التخبط السياسى وعجز فى تشخيص العلة يعيشه المحور العثمانى الإخوانى بعد فقدانه لكثير من أوراق اللعب والرهانات الاقليمية ، والتى لم تكن تستند إلى واقع منطقى واقعى على الأرض ، وعلى سبيل المثال حركة حماس كأحد أذرع هذا المحور خسرت حلفائها الواحد تلو الآخر بدءاً من سوريا وإيران ومصر وتونس وآخرها كانت الحاضنة قطر ، قطر التى فتحت أبوابها لقيادة الحركة بعد طردهم من سوريا ، وأوعزت لقناة الجزيرة لبث الاعلام الاخوانى بكافة أشكاله وأصبحت منبر يزعج مصر وحلفائها ، تقف اليوم فى الاتجاه المعاكس وترفع شعار اليوم "أن أمن مصر هو أمن قطر " ، وتنضم لبناء البنى التحتية التى يخطط لها الرئيس المصرى المنتخب عبد الفتاح السياسى عدو الأمس ، هذه العلاقة التى ستضيق الخناق على حركة حماس فى غزة وستحد من استقلاليتها ، وستنهى مستقبلها السياسى كما لم يتوقعه الكثيرون .
حركة حماس بحاجة لوقفة مع نفسها وقراءة للأعوام المقبلة بصورة مغايرة خاصة ان كافة التحالفات الإقليمية باتت مخالفة لها ، ويجب أن تكون لها مراجعات حكيمة للأدبيات والصيغ التحالفية وتجنب كافة الوسائل التى أدت إلى اخفاقاتها فى السنوات الماضية ، وتحول خلاق فى لغة التوسط وبناء فكرها السياسى على نمط مغاير والتخلى عن المشاريع الدينية الشمولية التى لن تكون فى صالح القضية الفلسطينية ، ووجب التعاطى مع الآخرين بعقلية الشراكة والتخلى عن الشعارات الأحادية واستعداء الآخر والإرهاب الفكرى والقضاء على آفة التضاد مع الغير .
إن تمكنت حركة حماس فى المرحلة القادمة من إجراء نقد تحولى إيجابى لفكرها وأيدلوجيتها والاستفادة من شطب اسمها من قائمة الارهاب والتقاط الاشارة الأوربية نحوها ، وتفكيك المشكلة لا الهروب منها بالإمكان وقتها نجاح المصالحة الفلسطينية ولملمة البيت الفلسطينى ومواجهة الاحتلال الإسرائيلى موحدين .
آن الأوان التخلى عن الأيقونات المقدسة والمسلمات الحزبية .
أستاذ العلوم السياسية
[email protected]