تاريخ النشر: 2018-04-05 | 09:19
تاريخ النشر: 2018-04-05 | 09:19
خرجت غزة عن بكرة أبيها ، أعلنت عن غضبها ، وانتفاضتها خرجت بحشود هادرة تعتصم وتقف على حدود تبعد عن أراض سلبت منهم منذ أكثر من ستون عاماً مضت ينظرون بأمل ، حملوا أشياءهم وأطفالهم ، ليقولوا للعالم نحن هنا ، لا زلنا شعب مهجر ، لم ننسى وما نسينا وسنعلم أبناؤنا أن العودة حق نافذ لا تفاوض عليه ولا استسلام ، خرجوا نساء وأطفالاً ، شباباً وفتية ، ورجالاً ، لم يهابوا تلك الدبابات المدججة على الحدود ولم يكترثوا لكل التهديدات الإسرائيلية قبل خروج حشود الجمعة التي أسموها جمعة العودة ، الأمل فقط كان نصب أعينهم ، والمقاومة السلمية كانت شعارهم ، لأول مرة اتفقت كل الفصائل وكل الأحزاب وكل الناس على هذا المبدأ إلا أن الاحتلال أرشقهم بالكثير من الرصاص المتفجر ، بل رصاص تعمد على ترك علامات الإعاقة المستديمة ، رغم ذلك لم تأبه الحشود بل شكلت حالة استثناء للوقوف على أعتاب الوطن ، ولخلق معادلة جديدة لفرضها على العالم أجمع لإعادة النظر في حصار وفقر وانقسام فرض على هذا الشعب الأعزل دون جدوى أو تحقيق أدنى معادلات الاستسلام ، اليوم غزة تفرض هيمنتها وتنشد نشيد الوطن الذي يعيش فينا طوال العمر .
هي غزة الولادة للحق وللبطولة والفداء ، هي غزة عصية على الظلم ، والظالمين ، هذه غزة التي عرفناها تصنع نورها وفجرها دون أن تنظر لأحد .
غزة انحنت لريح عاتية ولم تنكسر ، حين خرجت وانتفضت أمام كل تلك القوى وذلك الهم الكبير الذي أصابها ، فمن راهن على انكسارها رأي بأم عينه تلك الحشود الكبيرة تأكد أن جذورها عميقة وقوية أعمق من جذورنا الممتدة عبر العصور ، عميقة أكثر مما كانوا يعتقدون ، ويتوقعون ، وأن قضية تطويع الفلسطيني صاحب الحق ، ما عادت ناجعة بل سقطت كل احتمالات الخلاص من شعب تشبثت جذوره كجذور التاريخ المعبق بدماء القادة الشهداء ، وأبطال وقود الثورة الذي كان اخرها 17 شهيداً ارتقوا في مواجهة حق وهم عزل .
إن المراهنة على سقوط القضية بالتقادم وأن اللعبة تكمن على العمر فقط سقطت كل تهيؤاته العملاقة لإذلال شعب لا يعرف الذل ولا السقوط ، بل أثبتت مسيرات العودة على حدود غزة أن ما قد يفعل أو ممكن أن يفعل لن ينجح أبداً ، نحن أمام ثورة وقودها صدورنا العارية ، وثقة بالحق ، وثقة بأن فلسطين بقدسها وسواحلها وأنهارها ، ويافاها وحيفها هي فقط فلسطينية ، دون خوف أو شك أن فلسطين لن تتأقلم مع غير ما هو غير فلسطيني ، غزة التي كل ما سقطت تعود أقوى من ذي قبل ، بل أصلب وأشجع ، بل تنهض بكل قوتها لتعيد دراسة التاريخ ، وتوثيقه ، غزة لن تسمح للهزيمة أو المهزومين للعيش فيها ، فكل مرة يعتقد فيها الاحتلال أنه انتصر يكشف أنه يتجرع مرارة الهزيمة .
نحن أمام لحظات الانتصار أمام عاتيات أمريكا ، وكيان الاحتلال ، بل زرعنا ألغام سياسية ورفعنا شعار أن لن تمروا ، هي اللحظات التي تولد من رحم المعاناة بكل ما يحمله هذا الشعب من فقر وهم ومأساة إنسانية ، وعقاب
لا يأبه به كثيراً ، غزة الحصن الحصين للقضية الفلسطينية ، غزة التي سخرت من جنرالات الحقد ، والاحتلال ، وجنرالات المتآمرين على قضيتنا الفلسطينية المبجلة المقدسة ، ليصدح بصوته عالياً أن كل القلاع ستذوب أمام إصرار هذا الشعب على الصمود والتضحية من أجل الأرض ، وحق العودة واللاجئين وأن بوصلتنا لن تنحرف عن القدس ومقدساتنا ، بل عدنا لزمن الشهيد ياسر عرفات الذي صدح بصوته عالياً "يريدوني أسيراً أو جريحاً لكني أقول لهم شهيداً شهيداً" ومات شهيداً وهو يعلم أنه ترك بصمته في قلوبنا ، وأن بوصلة الحق لن تضيع مع شعب بنى معه وحدة الشعب وحلمه ، وقدرته على النضال والمقاومة إلى آخر نفس .
وكانت غزة أمينة على الوصية صعدت دون خوف أو تردد تنسج خيوط الأمل مع الشمس ، وتصنع جسر العودة إلى أراض ضاعت كثيراً ، واستحكم فيها المحتل لكنها لن تدوم فنحن شعب الجبارين الذي ما قدرت علينا كل حروب الدنيا ، ولا خوفها .