تاريخ النشر: 2016-12-05 | 22:25
تاريخ النشر: 2016-12-05 | 22:25
ليس معنى التربية أن نعلم الناس ما لا يعلمونه وإنما نعلمهم كيف يسلكون بطريقة غير التي يسلكونها أردت أن يكون عنوان هذا الدبوس هذه المقولة للكاتب والمفكر (ديل كارنجي) وذلك بعد ما اطلعت على مقالٍ غاية في الأهمية والإثارة للكاتبة الشابة والمتألقة (غادة عايش خضر) والذي جاء بعنوان ( حوار الأغيار).
فقد جذبني عنوان المقال لقراءاته أكثر من مرة والغوص في أدق تفاصيله وثناياه بل أنني وبعضاً من الأصدقاء والذين يواظبون على زيارتي والتحاور والنقاش معهم في كثير من القضايا الهامة وكثيراً ما يكون الحوار عبر وسائل الاتصال أو وسائل التواصل الاجتماعي أحياناً، لذا قمت بإعادة المشاركة للمقال وذلك لسببين الأول: أن أحتفظ به إلى المخزون الثقافي والمعلوماتي على صفحتي، والثاني: اعطاء فرصة لبعض الأصدقاء وغيرهم من الاطلاع عليه، رغم أن المقال لاقى اطلاعاً واسعاً على صفحة الفيس بوك وقرأت كثيراً من التعليقات مختلفة الأشكال والإعجابات بدأً من شخصية الكاتبة وأسلوبها وأهمية الموضوع الذي تناولته وأثار ولا زال يثير جدلاً متمثلاً إما بتحفظ أو تأييد.
لم أعلق حينها على المقال بأكثر من إشارة إعجاب رغم قناعتي بأنه يحتاج إلى مساحة كبيرة من التأمل والتفكير وتحديد الوجهة التي سأقوم بها فقررت بأن أكتب هذا الدبوس الذي لا أهدف من ورائه توجيه وخزة للكاتبة أو للمقال بل أهدف بأن ألفت انتباه مكونات المجتمع الفلسطيني إلى خطورة التعامل مع كثير من القضايا بطريقة لا ترق لمكونات المجتمع السويّ.
الكاتبة تطرقت إلى تفسير معنى كلمة (الأغيار) وسبب نشأتها وقد كانت موفقة في ذلك في محاولة منها لربط هذا المفهوم النابع من العقيدة التلمودية وهو بشكل أساسي موجه ضد الكل الفلسطيني وهو عبارة عن نظرة وسلوك عنصري لا يرقَ إلى المفاهيم الصحيحة لأصول الدين اليهودي، وهنا تهمس الكاتبة في آذاننا من خلال المقاربة بين مصطلح الأغيار والسلوك الفلسطيني الفلسطيني في قضايا تناولت الكاتبة منها السلوك الاجتماعي وخاصة الزواج بين اللاجئ والمواطنة أو العكس.
وكذلك السلوك السياسي والموقف من حق اللاجئ أن يشارك في انتخاب المرشحي للمجالس البلدية والمحلية، وأيضاً السلوك على الصعيد الجغرافي (ضفاوي وغزاوي) وفتحاوي أو حمساوي أو الانتماء لأيّ فصيل آخر، وأيضاً انعكاسات الانقسام على التمييز والتميز والتمايز بين مختلف مكونات المجتمع هذه النقاط التي تناولتها الكاتبة من الأهمية والخطورة بمكان لا سيما وأن جذورها امتدت منذ البدايات الأولى للهجرة حيث استقر كثيراً بل معظم سكان القرى والمدن الفلسطينية والمهجرين قصراً في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
وحيث أن حديثنا يدور على قطاع غزة فللحقيقة والتاريخ نقول بأن كثيراً من سكان قطاع غزة الأصليون ( الغزاويون) احتضنوا عائلات مهاجرة بأكملها وشاركوهم المسكن والملبس ولقمة العيش حتى بعض الأسر المصنفة كطبقة غنية ( برجوازية) وهم قلة ولكن السلوك العام من تلك الطبقة تجاه المهاجرين واللاجئين كانت الفوقية والتعالي والاحتقار هي سيدة الموقف وهذا السلوك لم يكن ضد المهاجرين فقط فهم يمارسونه منذ أكثر من قرن من الزمان تجاه الأسر البسيطة والفقيرة ويتسلطون عليهم بأكثر من أسلوب لابتزازهم وقهرهم وهذا ما تربوا عليه وانعكس على اللاجئين فلا يسمح بتزوجهم أو الزواج منهم وامتد هذا السلوك إلى ما بعد ذلك فلم يسمح بتوظيفهم في المؤسسات الخاصة بتلك الطبقة، إلا أن الإدارة المصرية في القطاع كسرت هذا السلوك وسمحت بتوظيف من يستحق لتشغل مناصب بسيطة كالتدريس في المدارس أو العمل في المستشفيات وبعض المؤسسات الحكومية ورغم ذلك واجه الموظفون اللاجئون تسلطاً وسلوكاً مؤلماً من رؤسائهم في العمل المصنفون (غزازوة) وهذا السلوك لا ينطبق بالمطلق على الجميع.
ومع انشاء م.ت.ف وحركة فتح والحركات الأخرى بدأت تلك المفاهيم تشق طريقها إلى التحول وانتقل الفكر النضالي إلى مفاهيم تلك الطبقة ( ليست لأهداف نضالية) بقدر ما هو تولد قناعات لديهم بأن ذلك يركبهم الموجة بسهولة رغم نظرتهم الدونية للمنتمين لتلك الفصائل المناضلة والمقاومة وهذا يظهر بين الفينة والأخرى وقد ازداد في أكثر من اتجاه بعد تنامى قدرة الفصائل وعودة القيادة إلى القطاع والضفة فتغيرت كثيراً من الولاءات والاهتمامات وأسلوب التعامل مع السكان، فلم يعد التصنيف ( لاجئ ومواطن) هو المقياس في التعامل بل ضعف وأخذ يتجه إلى الصواب أكثر في ظل بروز تصنيف مجتمعي جديد وهو شريحة(عائد) أو شريحة رقم (4) وهم من عادوا إلى أرض الوطن بموجب اتفاق أوسلو وحملوا هويات تبدأ برقم (4) وهذه الفئة لاقت كل الدعم والتوظيف والمساعدات والاغداقات المالية بشكل كبير جداً من قبل القيادة ميزهم في كسب المصالح عن باقي السكان، وحافظوا على سلوكياتهم وأسلوب حياتهم في الخارج وحاولوا نقله إلى أماكن سكنهم الجديد وحافظوا على ستار بينهم وبين السكان إن كان في الزواج أو التوظيف أو حتى التجاور وأصبح مصطلح (عائد ومواطن) مقزز في تمييزه ومحاباته لدى الكثيرين، ومع مرور الوقت بدأ هذا المصطلح والمفهوم يضعف، لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تنامى وأصبح المجتمع الفلسطيني يعاني من شرخ طولي وعميق في ثناياه ومكوناته وانتماءاته وأسلوب الحياة والتعامل، وهذا بعد الانقسام البغيض الذي أفرز أو رسخ مصطلح ( مناضل ومنتمى، وغيره) وهنا برز بشكل حاد تصنيف ( فتحاوي، جبهاوي، حمساوي) ولم يعد الترابط بينها يحكمه فكرة النضال والتحرير وغيرها حتى على صعيد الزواج والتجاور والتصاهر أو حتى التعامل، فأصبح المجتمع منقسماً على ذاته، وفكرة الزواج أصبح يحكمها الانتماء فإن كان سابقاً لا يتم تزويج من هو خارج دائرة التصنيف ( مواطن أو لاجئ) أو ( عائد ومواطن) وكان لهذا السلوك أن ساهم بشكل كبير في هدم وتدمير القيم الاجتماعية والإنسانية في مجتمعنا وأصبحت فكرة التجاور مع عائلات منتمية لفصيل مختلف أصبحت مستحيلة ودفعت بالكثير من الأسر إلى تغيير أماكن سكنها بعد أن فُقد الأمان لها وقد أخذ سلوك التمييز والتميز ما واكب الانقسام من انفصال قطاع غزة بعد سيطرة حماس عليه انفصاله عن الضفة الغربية ولم يعد القطاع وسكانه وموظفيه في مركز اهتمام القيادة والمسئولين في الحكومة في رام الله وانعكس ذلك بشكل سلبي ومؤلم لدى شريحة الموظفين وعائلاتهم ولدى مجمل السكان الذين لم يكن بإمكانهم تحصيل حقوقهم بعد أن انعزلت رام الله عن واجباتها تجاههم وأصبح مهدداً منها كل من يتواصل مع غزة أو يقدم أيّ تسهيلات لسكانها وموظفيها باستثناء من بقوا على عهد الصداقة والتواصل، وعزز هذا السلوك سلوك آخر في غزة من قبل الحكومة في غزة وهو توجيه تهمة التخابر مع رام الله لكل من يتواصل أو يحافظ على تواصله مع مسئوليه لتأمين احتياجات المواطنين والموظفين ويفرض عليهم عقوبة السجن، فكان لهذا السلوك دوراً كبيراً في اتساع الهوة بين شطري الوطن وسكانهما.
واليوم ما هو المطلوب وكيف تحقيقه:
إنها مسئولية جماعية تنظيمات ومؤسسات المجتمع المدني والقيادات الشابة والمفكرين والكتاب والمثقفين والمؤسسات التعليمية والتربوية والجامعات، وأرباب العمل والأسر.
إنه السلوك الواجب تغييره وليس تربية الناس وتعليمهم ما هو جديد فليس معنى التربية أن نعلم الناس ما لا يعلمونه وإنما نعلمهم كيف يسلكون بطريقة غير التي يسلكونها.