يمكن تقييم مشاركة الإسلاميين في الحكم على مستويين: المستوى الأول تأثير مشاركة الأفراد المنتمين للحركات الإسلامية في الواقع السياسي وعلى صعيد العملية الديموقراطية وإدارة البلاد، والمستوى الثاني تأثير مشاركة أي حركة إسلامية في الحكم على صعيد البلد بشكل عام وماهية الإنجازات التي حققتها، وما إذا نجحت في تثبيت أسس الديموقراطية وتطبيق مبادئ الحكم الرشيد ومواجهة الفساد وتحقيق تقدم على صعيد التنمية ومعالجة الفقر.
ولأننا لا نستطيع دراسة التجارب الإسلامية كلها فسنقتصر على تجربتَي «حزب الدعوة الإسلامية في العراق» بعد سقوط نظام صدام حسين العام 2003 و «حركة النهضة» في تونس بعد الثورة الشعبية التي اندلعت في هذا البلد العام 2010، والتي أدت إلى وصول حركة النهضة إلى الحكم بعد سنوات طويلة من المعارضة والنفي والاعتقال.
أولا: تجربة «حزب الدعوة الإسلامية في العراق»
تأسس «حزب الدعوة» العام 1957 بمبادرة من عدد من علماء العراق وأبرزهم المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر الذي ترك الحزب لاحقا، وانتشر الحزب وتوسع داخل العراق وفي العديد من الدول العربية والإسلامية.
ويذكر حزب الدعوة الإسلامية في أدبياته أنه يسعى إلى «إعادة الإسلام إلى حياة المسلمين» وتحكيم الشريعة في الوطن الإسلامي الكبير و «اقامة حكومة الله على الارض كهدف نهائي»، ويسعى إلى تغيير النظام «الجاهلي» المتحكم في المجتمع الإسلامي في مجالات السياسة والاقتصاد والحرب وإحلال النظام الإسلامي مكانه.
اما الاهداف المرحلية، فتتمثل بالامور التالية: بعث الفكر الاسلامي الاصيل ونشر الوعي في صفوف الامة، وتصحيح المفاهيم التنظيمية للحركات الاسلامية وبناء التنظيم على اساس القرآن والسنة الشريفة، وتطهير المجتمع من التقاليد والاعراف الغربية وبعث الروح الاسلامية شكلا ومضمونا في حياة الناس، وتربية الامة التربية الايمانية الصحيحة التي لا ينفصل فيها المضمون عن الشكل في الممارسات العبادية. وعلى صعيد الفرد، يهدف الحزب الى تجديد بناء الشخصية الاسلامية والاسرة المسلمة بكل مقوماتها من تربية وثقافة وسلوك.
ومنذ تأسيسه، خاض الحزب صراعا فكريا وجماهيريا ومن ثم صراعا عسكريا ضد الحكومات التي حكمت العراق وخصوصا نظام حزب «البعث»، ما ادى الى اعدام عدد كبير من قادة الحزب وكوادره وفرار آخرين الى دول الجوار، خصوصا ايران وسوريا والعراق، كما فر آخرون الى دول اوروبية واميركا.
واستمر هذا الصراع بين حزب «الدعوة» والمعارضة العراقية من جهة، والنظام البعثي الحاكم من جهة أخرى، الى ان قامت اميركا بشن الحرب على العراق العام 2003، ما ادى الى سقوط نظام «البعث» بقيادة صدام حسين، وتم تشكيل حكم انتقالي ضم عددا من قادة المعارضة باشراف الحاكم الاميركي بول بريمر، ومن ثم وُضع دستور عراقي جديد، واجريت الانتخابات النيابية التي شارك فيها حزب «الدعوة» وتولى من بعدها رئاسة الحكومة العراقية احد قياديي الحزب ابراهيم الجعفري. كما تولى العديد من كوادر الحزب مواقع مختلفة في الوزارات والمحافظات والبلديات. وبعد انتهاء فترة حكومة الجعفري، تولى رئاسة الوزراء القيادي في الحزب نوري المالكي الذي رفع شعار «ائتلاف دولة القانون». وبعد تجربة ثماني سنوات في الحكم، واجه العراق مشاكل عديدة، امنية وسياسية واقتصادية، اضافة الى الخلافات الداخلية، وكل ذلك مهد لنشوء تنظيم «داعش» وسيطرته على اجزاء كبيرة من الاراضي العراقية. وحصلت ضغوط كبيرة على نوري المالكي برغم فوزه في الانتخابات الاخيرة في العام الحالي، ما أدى الى تنازله عن الترشح لرئاسة الحكومة لصالح قيادي آخر من الحزب وهو حيدر العبادي.
لا نستطيع تقديم تقييم شامل لتجربة حزب «الدعوة» وبقية قوى المعارضة الاسلامية وغير الاسلامية في الحكم منذ سقوط نظام صدام حسين، لكن من خلال عرض سريع للواقع السياسي العراقي اليوم، نلاحظ انه بعد 11 سنة من قيام الحكم العراقي الجديد، لم تستطع القوى العراقية من اقامة الدولة المركزية العادلة والقادرة على تأمين الامن والتنمية والديموقراطية الصحيحة، بل إن الفساد انتشر بشكل كبير ان على مستوى الافراد او المؤسسات. وتشير بيانات هيئة النزاهة العراقية الى احالة آلاف الموظفين والمسؤولين الى القضاء بتهمة الفساد، حتى ان هيئة النزاهة نفسها اتهمت لاحقا بالفساد أيضاً! وقد افاد مؤشر الشفافية العالمي الذي يقيس الفساد في 180 بلدا بان العراق في المركز الثالث من حيث حجم الفساد.
وبصورة اجمالية، فان وصول حزب «الدعوة» الى الحكم لم يحقق أياً من الاهداف الاساسية التي رفعها، ان على صعيد الافراد او المجتمع او الدولة. وقد يكون صحيحا ان الحزب قد ساهم طيلة الخمسين سنة من تأسيسه في نشر الفكر الاسلامي وتعميم الثقافة الاسلامية وبناء الكوادر الاسلاميين، لكن عند وصول هؤلاء الى الحكم والمسؤوليات، نجد انهم لم ينجحوا في تقديم التجربة الاسلامية الرائدة، ولم يساهموا في تحقيق الديموقراطية والحكم الرشيد، ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول هذه التجربة، واسباب الفشل في تحقيق الاهداف التي رفعتها.
ثانيا: تجربة حركة «النهضة» في تونس
تعود جذور حركة «النهضة» (الاسلامية) في تونس الى جمعية المحافظة على القرآن التي تأسست العام 1970 وضمت الشيخ راشد الغنوشي والشيخ عبد الفتاح مورو اللذين حوّلا الجمعية العام 1981 الى حركة سياسية باسم حركة «الاتجاه الإسلامي» التي اعلنت سعيها لاقامة النظام الإسلامي. لكن الحركة تعرضت الى مقاومة كبيرة من السلطات التونسية، وتم اعتقال المئات من كوادرها لاسباب مختلفة، ما ادى الى تحولها الى حركة سرية. وبعد قيام رئيس الوزراء زين العابدين بن علي بالانقلاب على الرئيس الاسبق الحبيب بورقيبة، سعى الى التقرب من الإسلاميين، وسمح باقامة الاحزاب السياسية بشرط ان لا تشير اسماؤها الى العرق والدين واللغة والمنطقة، فاصبحت حركة «الاتجاه الإسلامي» حركة «النهضة»، لكن ذلك لم يمنع الصدام بين الحركة والنظام التونسي، ما ادى الى اعتقال المئات من كوادر الحركة وهروب عدد من قيادييها الى الخارج، وابرزهم الشيخ راشد الغنوشي الذي قضى فترة طويلة من حياته في بريطانيا، حيث كان يقود الحركة، وألّف العديد من الكتب ابرزها كتابه حول الحريات في الإسلام الذي يتضمن رؤى جريئة على صعيد الموقف من الحريات وحقوق الانسان.
ويدعو الخطاب السياسي لـ «النهضة» الى اعادة توزيع الثروات في البلد واقامة نظام اقتصادي عادل وتشجيع النساء على العمل واقامة دولة اسلامية حديثة والقبول بالتنوع والتعددية ورفض الطائفية.
وبعد الثورة الشعبية في تونس العام 2010 وسقوط نظام زين العابدين بن علي، عاد الشيخ راشد الغنوشي الى تونس لقيادة حركة «النهضة»، واعلن فور عودته رفض اقامة حكومة دينية في تـــــونس، وخاضت الحــــركة الانتخابات لتشـــــكيل مجلس تأسيسي لادارة المرحلة الانتقالية، واستـــطاعت الفوز بـ89 مقعدا من اصل 217، أي حوالي 42 في المئة من المقاعد، ودخلت في ائتلاف حاكم مع حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» وحزب «التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات» وأطلق عليه «الترويكا».
ونجحت الحركة بالتعاون مع بقية القوى السياسية والنقابية والشعبية بادارة المرحلة الانتقالية التي استمرت حوالي ثلاث سنوات، برغم الكثير من المشكلات الداخلية والصراعات الامنية ووجود تيارات اسلامية متشددة وحصول العديد من الاغتيالات. وقد تولت الحركة رئاسة الحكومة التونسية لفترتين خلال المرحلة الانتقالية. لكن بعد حصول ازمة سياسية داخلية، تنازلت عن رئاسة الحكومة لمصلحة شخصية مستقلة، ومن ثم تم اعداد دستور جديد ووضع قانون انتخابات. وقد جرت الانتخابات الجديدة في شهر تشرين الاول من العام 2014، وادت الى فوز حزب «نداء تونس» بالمرتبة الأولى، فتحولت الحركة الى الموقع الثاني بعد نيلها حوالي 32 في المئة من مقاعد المجلس النيابي الجديد. واعلنت الحركة عدم دعمها لاي مرشح للرئاسة التونسية، واستعدادها للتحالف مع بقية الاحزاب.
وبرغم الاوضاع الاقتصادية والامنية والاجتماعية والسياسية الصعبة التي مرت بها تونس خلال السنوات الثلاث الماضية، فان التجربة التونسية خلال المرحلة الانتقالية تعتبر الافضل على صعيد عملية الانتقال الديموقراطي. وقد تعاطت حركة «النهضة» مع الاوضاع بمرونة، ولم تكرر التجارب الفاشلة لحركات اسلامية اخرى كحركة «الاخوان المسلمين» في مصر في ادارة المرحلة الانتقالية، برغم ان «النهضة» تعود بجذورها الى حركة «الاخوان».
ويعتبر مراقبون ان نجاح حركة «النهضة» بالتعاون مع بقية القوى السياسية في تونس في ادارة المرحلة الانتقالية يعود الى أسباب عدة منها استفادة «النهضة» من بقية التجارب الإسلامية، خصوصا ما جرى في مصر، فضلاً عن طبيعة المجتمع التونسي التعددية وقوة المجتمع المدني والنقابات، والمميزات الفكرية والشخصية لقائد الحركة الشيخ راشد الغنوشي الذي قدّم خطابا اسلاميا متطورا ومتناغما مع الديموقراطية. وخلال تجربتها في الحكم وفي العمل السياسي، قدمت الحركة تجربة جيدة على صعيد القبول بالتنوع واشراك المرأة وتبني خطاب معتدل.
لكن برغم هذه الإيجابيات، فإن تونس لا تزال تواجه الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. اما على صعيد مواجهة الفساد بعد الثورة الشعبية، فيشير تقرير لـ «منظمة الشفافية الدولية» إلى ان تونس تراجعت على صعيد مكافحة الفساد بعد الثورة من المرتبة 59 الى المرتبة 73.
كما كـــشفت «الجمعية التونسية لمكافحة الفساد» خلال ملتقى وطني نظم في تونس العاصمة في 13 آذار 2014، ان الفساد تفاقم في البلاد بعد الثورة، وذلك بسبب ضعف الموارد وصعوبة المقاربة وكثرة المتدخلين من هياكل وجمعيات، وتسيس عملية مقاومة الفساد. وكشف البنك الدولي في تقرير اصدره في 17 ايلول 2014، ان ثورة تونس لم تكتمل لان البلاد شهدت بعد الثورة تفاقما للفساد. وافـــــــاد استطلاع للرأي نظـــــمه «منــــتدى العـــــلوم الاجتماعية والتطبيقية» في تونس 26 أيار 2014 بان 50 في المئـــــة من المستطلَعين يعتقدون ان هناك ارتفاعا لظاهرة الفساد بعد الثورة.
وبالخلاصة، لا يبدو ان مشاركة حركة «النهضة الإسلامية» في الحكم في تونس قد ادت الى نهاية الازمات في تونس. لكن بالمقابل، نجحت الحركة في ادارة المرحلة الانتقالية كمقدمة لاقامة حكم ديموقراطي، قادر على معالجة المشاكل في البلاد، وهذه التجربة تحتاج الى المزيد من المتابعة والمراقبة.
ثالثا: الخلاصات الاولى
خلال انعقاد منتدى الحركات الاسلامية الاول في ماليزيا بتاريخ 14 تشرين الثاني 2014، قال النائب السابق للرئيس السوداني علي عثمان طه: «إن شعار الاسلام هو الحل لم يحقق العدالة الاجتماعية ولم يخلق برنامجا للعدالة الاجتماعية لان الحركات الاسلامية تعاملت ببساطة مع قضايا المجتمع». اما رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد، فقال في المنتدى نفسه: «ان بناء الدولة يعتبر القضية الابرز التي تواجه المسلمين حاليا خاصة في تلك الدول التي اطاحت شعوبها أنظمة شمولية ديكتاتورية».
بينما اعتبر زكي بني ارشيد (الذي انتخب امينا عاما للمنتدى) ان المطلوب اليوم من الحركات الاسلامية القيام بمراجعة عميقة وجذرية للموروث الفكري والفقهي في الإسلام، خصوصاً في ظل بروز او نشوء حركات واشكال ومؤسسات تقوم بممارسات تتناقض مع تعاليم الدين الاسلامي والمقاصد الكلية للشريعة.
هذه الاقوال تؤكد ان تجربة الحركات الاسلامية في الحكم تواجه العديد من المشاكل، وان هناك حاجة لمراجعة وتقييم هذه التجارب بعدما فشل العديد من الحركات الاسلامية في تقديم نموذج متطور وناجح ان على صعيد الديموقراطية او الحكم الرشيد او مواجهة الفساد.
وفي الخلاصة، وبعدما نزل الاسلاميون من السماء الى الارض وخاضوا تجارب سياسية واقعية وعملية، اصبحوا اليوم موضع مراقبة ومحاسبة، وهم بحاجة لاعادة تقييم تجربتهم لمعرفة اساب الفشل ولتحديد خريطة طريق جديدة للمستقبل، كي يقدموا تجارب ناجحة.
عن السفير