وقع هذا الأسبوع، حتى الآن، حدثان لافتان، يتضمن كلاهما على ما يبدو توصيل رسائل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إذ قام الإسرائيليون بمناورات "عسكرية" في الضفة الغربية، وقام شبان فلسطينيون، من حركة "فتح"، بإتلاف موجودات شاحنة واحدة على الأقل من المنتجات الغذائية الإسرائيلية، فضلا عن جولة على المحال التجارية لتأكيد جدية المقاطعة وتوقع فرضها قسراً، ومخاطبة وكلاء هذه البضائع لوقف استيرادها من الإسرائيليين. وفي الحالتين، يبدو أنّ المقصود هو توجيه رسائل بشأن ما سيأتي.
وضع الإسرائيليون 13 ألف جندي احتياط على أهبة الاستعداد، ودعي 3 آلاف منهم فعلا لمناورات في الضفة الغربية، تتضمن الطيران، والقوات البرية، والاستخبارات، وسوى ذلك. وواضح أنّ التدريب ليس على الحروب التقليدية، بل بشأن انتفاضة أو حركات احتجاج واسعة شعبية. في المقابل، أتلف شبان شاحنة أو أكثر من عبوات الحليب واللبن الإسرائيلية وما إلى ذلك، في النقطة الأكثر اكتظاظاً في رام الله، وذات التواجد الأمني الفلسطيني الدائم؛ دوار المنارة.
يمكن فهم المناورات الإسرائيلية في شقين على الأقل. الأول، أنها جزء من دعاية انتخابية بهدف وضع المجتمع الإسرائيلي في حالة الخوف والاستعداد، وهو ما يقوي عادة موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسوّق نفسه بصفته الشخص القوي القادر على حفظ الأمن. أما الاتجاه الثاني، فكونها بناءً على تخوفات حقيقية من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية من أن تؤدي الإجراءات العقابية الإسرائيلية ووقف تحويل عائدات الضرائب للفلسطينيين، وتوقف الرواتب، إلى احتجاجات واسعة. أضف إلى ذلك رسالة أو استعدادا لسيناريو وقف الفلسطينيين للتنسيق الأمني.
في المقابل، فإنّ الحراك الفلسطيني جاء بعد أسابيع من التحذير الشفوي بشأن المقاطعة. وهو أمر لا يبدو أنّ كثيرين أخذوه بجدية. وعن هذا نشرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" قبل أسبوع تقريرا عنوانه "رغم المنع فإنّ البضائع الإسرائيلية ما تزال على رفوف بقالات رام الله". وبالتالي، فإنّ الحراك الجديد محاولة للذهاب خطوة إضافية في المقاطعة. وربما يريد الناشطون ومَن خلفهم توجيه رسالة تجعل التجار يتوقفون ذاتيا عن الاستيراد، مع صعوبة تبني الفلسطينيين لقرار رسمي من قبل الحكومة بمقاطعة البضائع الإسرائيلية، رغبة في عدم الانسحاب العملي من بنود اتفاقيات موقعة مع الإسرائيليين في المرحلة الحالية.
لا بد وأنّ خطوات الشبان الفلسطينيين مرت بعمليات ترتيب مفصّلة؛ فلن تحدث عمليات استهداف لبضائع وتحذير للتجار من دون قرار سياسي فلسطيني، وموافقة أمنية من الشرطة وغيرها على ذلك. وبالتالي، فالحديث عن قرار مركزي فلسطيني أيضاً. يضاف إلى هذا أن دعوة المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية للانعقاد، قد تكون من أجل التمهيد لقرارات تتعلق بمؤسسات العمل الفلسطينية في "السلطة"، أو للتلويح بها، ولإظهار جدية "إعادة التفكير الفلسطينية".
من جهة ثانية، يترقب الشارع الفلسطيني الأسبوع المقبل أيضاً حراكا و"عصيانا شاملا وتمردا" من قبل الأسرى الفلسطينيين على قوانين وإجراءات السجون، احتجاجاً على الأوضاع السيئة هناك. وهو ما يصاحبه عادة حراك تضامني في الشارع.
إلى الآن، فإنّ ما يجري في الحالتين الفلسطينية والإسرائيلية هو حراكات محسوبة جيداً، لا تعبر في الحالة الفلسطينية عن حالة غير مخططة أو غاضبة، كما هي العادة في الانتفاضات وحركات الاحتجاجات التي لم تحدث يوماً بتخطيط حقيقي، بقدر ما تأتي بشكل عفوي بعد حدث معين، ومن دون أن يعني هذا عدم وجود بنية تنظيمية وسياسية من قبل الفصائل والقوى الشعبية، تكون في حالة جاهزية لتولي زمام القيادة.
ما يحدث الآن فلسطينيا، إذن، هو تبلور مجموعة وسائل وأدوات، منها المقاطعة الشعبية الاقتصادية، بما فيها آليات من الانتفاضة الأولى مثل الفرض القسري؛ ومنها قرى الخيام والقرى المقامة في المناطق المهددة بالمصادرة، والمسيرات في مناطق محيطة بالجدار بشكل رئيس. وما يحدث هو في جزء منه، ربما، يأتي كرد فعل، أو للتعامل مع شعور بوجود تململ شعبي، وربما لتوجيه رسالة للولايات المتحدة الأميركية بعدم المراهنة على استمرار الهدوء، كما توجيه رسالة للإسرائيليين بإمكانية تضرر مصالحهم. لكن هذا الحراك المحسوب لا يعني بالضرورة عدم احتمالية تطور الأوضاع في اتجاهات غير روتينية.
عن الغد الاردنية