الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

منقار البط... كائنات خارج التصنيف

منقار البط... كائنات خارج التصنيف

تاريخ النشر: 2026-06-07 | 08:25

ليس من باب الترف البلاغي أنْ نستهل هذه الافتتاحية بعالم الحيوان، بل لأجل كشف تشابه يتجاوز الظاهر؛ فثمة كائنات تتجاوز حدود التصنيف، لا لأنها أكثر تعقيدًا فحسب، بل لأنها تكسر وَهْم القوالب الجاهزة التي اعتادت العقول الركون إليها. منقار البط، أو خَلد الماء، أو ما يُعرف في بعض البيئات بـ"الدنبوع"، واحد من تلك الكائنات التي تبدو كأنها خُلِقت لفضح هشاشة التصنيف ذاته.
فهو يحمل منقارًا يشبه منقار البط، ويضع البيض كما تفعل الزواحف والطيور، ثم يُرضع صغاره بالحليب كالثدييات. وله ذيل يشبه ذيل القُندس، وأقدام مُكففة كأقدام الطيور المائية، بينما يمتلك الذكر شوكة سامة في قدمه الخلفية، وهي سِمة نادرة بين الثدييات.

هذا الكائن لا "يجمع صفات" بقدر ما يُربك فكرة التصنيف ذاتها، ويكشف حدود العقل حين يحاول اختزال الحياة في صناديق مغلقة. إنه ليس حالة تنوع، بل حالة تمرد على القالب.
تكمن المفارقة في أنَّ ما هو استثناء في الطبيعة، يبدو في الواقع الاجتماعي والسياسي نمطًا متكررًا لا عارضًا. فثمة فاعلون لا ينتمون إلى فكرة بقدر ما ينتمون إلى موقع؛ ولا إلى مبدأ بقدر ما ينتمون إلى فرصة؛ ولا إلى وضوح بقدر ما ينتمون إلى قدرة دائمة على إعادة تشكيل أنفسهم وفق ميزان المصلحة، لا ميزان الحقيقة.

هنا لا يعود التعدد ثراءً، بل يصبح قِناعًا. ولا يعود التحوّل مرونة، بل يُصبح سلوكًا دائمًا للتنصل من أي التزام. تتبدل الخطابات كما يتبدل الطقس، وتتغير المواقف كما تُبدّل الملابس، ويُعاد تصنيع القناعة في كل محطة وفق الحاجة، لا وفق الإيمان.

والأخطر أنّ هذا النمط لم يعد استثناءً عابرًا، بل تحوّل إلى بُنية كاملة تُنتِج نفسها وتعيد إنتاج شرعيتها من داخل الفوضى ذاتها؛ بُنية لا تعيش إلا على الهشاشة، ولا تزدهر إلا في مناطق الالتباس، ولا تتغذى إلا على الغموض المتعمد.
ولذا فإنّ السؤال لم يعد: ما الموقف؟ بل: ما الذي يُربِح الآن؟ وأي رواية هي الأكثر قابلية للتسويق في لحظة معينة؟

غير أنّ ما يحدث في الواقع الفصائلي الفلسطيني، لا يمكن اختزاله في خانة واحدة صلبة؛ فهو في كثير من الأحيان مزيجٌ معقّد بين الضرورة التي تفرضها شروط الواقع، وبين مساحات من الانتهازية التي تتسلل إلى الفعل السياسي وتعيد تشكيله. بيد أنّ هذا التداخل، حين يُترك دون معيار ضابط أو أُفق جامع، ينعكس سلبًا على مسار القضية الفلسطينية سياسيًا وإنسانيًا، ويزيد من هشاشة القدرة على إنتاج فعل سياسي متماسك ومستقر، بما ينعكس بصورة مباشرة على بنية الحالة السياسية الفلسطينية ذاتها.

إلا أنّ هذا الأثر لا يتوقف عند حدود المسار السياسي، بل يمتد إلى بُنية أعمق، إذ يتجسد هذا النمط في الواقع الفلسطيني، فهو لا يظهر كحالة منفصلة أو استثناء محلي، بل كتكثيف شديد لذات المنطق: تختلط المصلحة بالانتهازية، والمبدأ بالتموضع، والتمثيل بالادعاء، حتى يغدو التعدد نفسه غطاءً لإعادة إنتاج البُنى ذاتها بدل مساءلتها.
فيغدو الاختلاف اختلافًا في التموضع داخل نظام واحد من الالتباس أكثر منه اختلافًا حقيقيًا في الرؤية، الأمر الذي جعل الأناركية السياسية، بمعنى غياب المركز الناظم وتآكل المعايير الحاكمة للفعل العام، تنتقل من هامش المشهد إلى قلبه، حتى بدت اللاسياسة وكأنها أحد أشكال إدارة السياسة الفلسطينية ذاتها.
لكنّ هذا التراكم في الالتباس لا يُنتِج حالة واحدة متجانسة بقدر ما يفتح الباب لتداخل غير مضبوط بين ما هو مرونةٌ مشروعة وما هو انزلاقٌ في إدارة الفعل السياسي،
سيّما في سياق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، وما تحمله من إعادة تشكّل لموازين الفعل السياسي حيث لا يُدار بوصفه سياسة، بل بوصفه شكلاً من إدارة اللاسياسة داخل فراغ تتسع فيه مناطق الالتباس أكثر من مناطق القرار.

بيد أنّ الإشكال لا يكمن في وجود قدر من المرونة بحد ذاته، بل في غياب الثوابت المشتركة والمؤسسات القادرة على ضبط هذه المرونة وتحويلها إلى قوة إنتاج سياسي، بدل أنْ تنزلق إلى حالة من الفوضى وإعادة إنتاج الالتباس.

وهكذا لا تكون المشكلة في الحدث وحده، بل في المنظومة التي تتقنه، وتعيد تدويره، وتحوله إلى مورد دائم. وهنا تحديدًا يغدو الخطر بنيويًا لا طارئًا؛ ويصبح الفساد طريقة عمل لا مجرد عرضٍ عابر؛ ويصير الانتهاز قاعدة تُدار بها المرحلة بأكملها لا استثناءً عليها.

إنّنا أمام واقع لا يكتفي بخلط الصفات، بل يصنع من الخلط ذاته هوية، ومن الالتباس نظامًا، ومن التلون عقل إدارة كامل. وهو أخطر ما يمكن أنْ يصل إليه أي سياق سياسي أو اجتماعي: حين يصبح عدم الثبات هو القاعدة، لا الانحراف عنها.

الهويات الجامدة تَقتُل، لكنها ليست وحدها ما يهدد الحياة العامة؛ فالهويات السائلة حين تفقد أيّ مركز أخلاقي أو مرجعي قد تتحوّل بدورها إلى شكل آخر من القتل الصامت، لأنها تجعل من المُساءلة أمرًا مستحيلًا، ومن الحقيقة مسألةَ تأويل دائم لا نهاية له.
كأنّ الالتباس نفسه صار فضيلة، وكأنّ "خَلد الماء البشري" لم يعد استثناءً متحوّلًا، بل نمطًا أصيلًا يطلب الاعتراف لا التفسير.

×
أخبار
مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط