الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

من "إسقاط النظام" إلى إسقاط الدولة

من "إسقاط النظام" إلى إسقاط الدولة

تاريخ النشر: 2017-01-16 | 09:56

في مثل هذه الأيام، قبل سنوات ست، صدحت حناجر المنتفضين، في مدن تونس وشوارعها وساحاتها العامة، بشعارين قذفتهما في وجه زين العابدين بن علي، الرئيس السابق، ونظامه السياسي: «ارحل» و«الشعب يريد إسقاط النظام». ما إن تسلّم «ميدان التحرير» في القاهرة الشعار الثاني حتى عممه على كل الساحات العربية التي شهدت حراكاً احتجاجياً في ذلك الوقت، مستفيداً من خبرة تاريخية طويلة كانت فيها مصر مصنعاً متقدماً للأفكار والمواقف والشعارات، ومصدّراً لها في الوقت عينه إلى محيطها العربي. وإذا كنا لا ننكر أن من أسباب تدحرج الانتفاضات و«الثورات»، وانتقالها من بلد إلى بلد، تشابه المعطيات الاجتماعية والسياسية التي قادت إليها، فإننا لا نستبعد - ولا استبعدنا يوماً - أن تكون مصر وانتفاضتها قاطرة القيادة ونقطة الجذب الرئيسية؛ فلقد بدت «ثورة» 25 يناير وكأنها تستدرج لها النظائر في كل بلد، وتقدم لها المثال الذي على منواله ينسج. وما ذلك إلا لمركزية مصر في محيطها ذاك، وسبقها في السياسة والعمل السياسي والاجتماعي.
وما كان شعار ميدان التحرير («الشعب يريد إسقاط النظام») زائفاً أو مبالغاً فيه، حتى على فرض أنه دس إلى المنتفضين من خارج - مثلما يحلو لكثير من الناس أن يعتقد - وإنما أفصح عن لحظة اعتراض مميزة اجتمع فيها الكبرياء الوطني إلى الإرادة السياسية إلى الشجاعة الأدبية، فأتى (الشعار) يؤذن بانتهاء طور الصبر الطويل على العسف وبؤس الحال. ويشهد لصحة ذلك أن من يستعيد السياقات العربية التي تولدت منها الانتفاضات، وجرت في أكنافها، يدرك - بمقدار من اليقين - أن أحوال الفساد والاستبداد كانت بلغت من التفاقم والاستفحال حدوداً لا طاقة لمخلوق على تحمل أعبائها الثقيلة، وأن شيئاً ما، بالتالي، قد يحدث - بل ينبغي أن يحدث - لكف الضغوط المهولة على الناس وأرزاقهم وحرياتهم. وما كانت مشكلة الانتفاضات و«الثورات» تلك أنها أساءت تشخيص الأوضاع، أو بالغت في تقدير درجات الفساد والاستبداد في النظام العربي، وإنما كانت في سوء تقديرها لقدرتها على رفع الرد على الأوضاع إلى مستوى متقدم: إسقاط النظام، أي في حسبانها إسقاطه فعلاً ممكناً ويسيراً ما إن تجتمع الإرادات ويتكثف الضغط. والحق أن الإسقاط كفعل هدم ميسور إلى حد، ولكن العبرة ببناء نظام جديد بديل، لا بأن يكتفى بإزالة نظام سابق. والحال إن مقتل «الثورات» تلك إنما كان هنا: حدث الفراغ السياسي، ولم يقو أحد على ملئه، بل لم يقع تفاهم وتوافق وطني على ذلك، فانتهت الأمور إلى حيث عادت القهقرى إلى نقطة الصفر! وفي أسوأ الأحوال عادت إلى ما قبل السياسة وقيام الدولة!
انصرمت الحقبة التي دوى فيها شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» بانصرام القوى المدنية والانتفاضات الشعبية السلمية التي رددته في الساحات، وها هي حقبة جديدة - أطول - أعقبتها، منذ العام 2012، اختلفت فيها الوجوه والأسماء والشعارات والوسائل. إنها حقبة «ما بعد السياسة» (والحق أنها حقبة ما قبل السياسة)؛ حيث الكلمة للعنف لا للسلم، للسلاح لا للتظاهر والاعتصام، للميليشيات لا للجماهير، للمرتزقة المستوردين من أصقاع الأرض كافة لا لأبناء البلد، للمعارضات المأجورة والعميلة لا للمعارضات الوطنية، لتصفية حسابات أنظمة مع نظام حاكم، لا لتسوية نزاع بين شعب ونظامه، لتدمير الدولة وتمزيق وحدة الشعب والوطن لا لإسقاط نظام وبناء آخر بديل، لإنشاء إمارات دينية ميكروسكوبية لا لإقامة دولة وطنية، لتأسيس نظام ثيوقراطي لا لبناء الديمقراطية، لإعدام الحريات وحقوق المرأة وفرض الجزية على قسم من السكان (المسيحيين) لا لتعزيز الحريات العامة وحقوق المواطنة...الخ! إنها حقبة الإرهاب؛ حقبة الموت الجماعي والقتل و«حرب الجميع على الجميع» - بالمعنى الهوبسي - ولذلك أطلقنا عليها نعت حقبة ما قبل السياسة.
انتقلنا من مفاعيل شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» إلى مفاعيل شعار آخر هو «السلاح يريد إسقاط الدولة». الفارق بينهما كبير؛ الأول مشروع وإن كان طوبوياً، والثاني خطر على وجود الشعب والوطن والأمة؛ الأول قد ينتظم في خط بناء السياسة وتعظيمها، والثاني ينتمي إلى فعل هدم السياسة ونقضها ومحوها؛ الأول يرفعه المواطنون؛ والثاني يطبقه المسلحون؛ الأول له حامل اجتماعي - سياسي هو القوى المدنية، والثاني ما من حامل له سوى الميليشيات؛ الأول يجري سلماً، والثاني تجري فيه الدماء؛ وفي الأول رائحة الشعب ومطالبه، وفي الثاني بصمات الصهيونية؛ وفيما يبني الأول وحدة الشعب والمجتمع خلف مطالبه، يأخذ الثاني الشعب والمجتمع إلى الانقسام والفتنة والحرب الأهلية...الخ. إنه، باختصار، الانتقال من زمن السياسة والسلم المدني إلى زمن الإرهاب والحرب المفتوحة (على المجتمع والدولة). وإذا كان مشروع «الشعب يريد إسقاط النظام» قد انتهى بقواه إلى نصف انتصار ونصف هزيمة (في تونس ومصر واليمن)، سيقود مشروع الإرهاب، الذي يبغي إسقاط الدولة، قواه إلى هزيمة ساحقة في الساحات التي أطل منها وعاث فيها فساداً (سوريا، ليبيا، العراق). ومثلما كانت خيباتنا كبيرة من مشروع كشف عن الحدود المتواضعة لإمكاناته، هو المشروع الأول، وتبينت معه الفجوة الرهيبة بين الينبغيات الكبرى (الطوباوية) والموارد الذاتية المتاحة (المحدودة)، كذلك كانت نكبتنا عظيمة، بل فجائعية، بأهوال المشروع الثاني ومغامراته الخرقاء الإجرامية؛ فلقد مزق مجتمعاتنا، وأنهك اقتصاداتنا، واستباح أوطاننا، ودمر مكتسباتنا، وأباد شعوبنا، وبدد ثرواتنا في الحروب الداخلية، وجهل ملايين الأطفال من أبنائنا وجند الآلاف منهم في فيالق الموت، وأحدث الوقيعة داخل مجتمعاتنا، وأعاد اجتماعنا قروناً إلى الوراء، وأساء إلى صورة ديننا، وأفسد علاقاتنا بالعالم! وهكذا قادتنا خيبات المشروع الأول إلى الحبوط، فأتت فاجعة الثاني تقودنا إلى اليأس الوجودي الكالح لتنسينا خيبة الأول.
عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط