في الثلاثين من مارس الماضي قرعنا، في هذه الزَّاوية، جرساً عالياً عن الفوضى الأمنيَّة والسِّياسيَّة التي ما انفكَّت تتداخل، أكثر من أيِّ وقت مضى، في نسيج استراتيجيَّات دوليَّة كبرى، في المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة. وشدَّدنا على أن هذه الفوضى تتَّسم بخطورة تكاد لا تُعرف، وسطها، نقاط التَّماهي أو التَّقاطع بين مختلف المنظمات الإرهابيَّة، كالقاعدة، وداعش، وربَّما جبهة النصرة، وغيرها، بحسب تقديرات أمريكا ومجلس الأمن. وخلصنا إلى أن أكبر مظاهر هذا الخطر هو تهديده بطمس معالم جيوبوليتيكيَّة، وإزالة دول قوميَّة، ضمن مترتِّبات سايكس بيكو 1916م. وأوردنا، على سبيل التَّعيين، العراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا. ولفتنا الأنظار إلى تراجع وتذبذب الاستراتيجيَّة الأمريكيَّة، خصوصاً ما يتَّصل بداعش، ونشاطاتها في العراق. فمع تأكيدات الجنرال مارتن دمبسي، رئيس هيئة الأركان الأمريكيَّة المشتركة أن هذه المنظمة الإرهابيَّة ستنهزم نتيجة عمليَّات التَّحالف الدَّولي، إلا أنه أردف بإشارات مثبِّطة لهمم مَن يعوِّلون على قيادة أمريكا لهذا التَّحالف! أهمَّ هذه الإشارات التَّيئيس من إمكانيَّة القضاء على داعش، عسكريَّاً، في المستقبل المنظور، والدَّعوة ل «التَّروِّي»، ريثما يتمُّ القضاء على أيديولوجيَّتها، وحساباتها بمواقع التواصل الاجتماعي!» (وكالات، 9 مارس 2015م).
(2)
بعد أربعة أشهر من كلمتنا تلك أدلى الجَّنرال الأمريكي الآخر مايكل هايدن، المدير السَّابق لوكالة الاستخبارات المركزيَّة، بتصريحات جهيرة دعا، فيها، إلى «مواجهة الحقيقة»، بحسب تقديره، حيث «العراق لم يعد موجوداً، ولا سوريا موجودة، ولبنان دولة فاشلة تقريباً، ومن المرجَّح أن تكون ليبيا هكذا أيضاً»! وأردف قائلاً: «لم أشهد عالما أكثر تعقيدًا من عالم اليوم، خاصَّة في الشَّرق الأوسط، فاتِّفاقيَّات سايكس بيكو التي وضعت هذه الدُّول على الخريطة بمبادرة من القوى الأوروبيَّة لم تعكس، قط، الواقع على الأرض. لذا فإن الحقائق تؤكّد، اليوم، على ذكرياتنا بعنف»، حيث، وبدلاً من هذه الدُّول، باتت لدينا «الدَّولة الإسلاميَّة، والقاعدة، والأكراد، والسُّنة، والشِّيعة، والعلويُّون»! وأضاف الرَّجل «أن الدَّور الأمريكي في الشَّرق الأوسط بدأ يتضاءل»، وأن المنطقة ستبقى «في حالة من عدم الاستقرار خلال السَّنوات العشرين أو الثَّلاثين المقبلة»، وأن «السِّياسة الهادفة إلى إحياء هذه الدُّول لن تكون مجدية»، أو كما قال (لوفيغارو، 10 يوليو 2015م).
ها هو، إذاً، الغرب يكاد لا يرتدُّ إليه طرْفُه، بعد قرن بأكمله من «خيبة سايكس بيكو»، إلا بيأس الجَّنرالات الأمريكيين (إقرأ: الغربيين) من إمكانيَّة أن تكون ثمَّة قوَّة مؤهَّلة، باستثناء»الأكراد«، لتولي الحكم في المنطقة، سوى الكيانات الدِّينيَّة المتطرِّفة التي أشار إليها هايدن، وعلى رأسها «داعش»، كبديل وحيد راجح لما يمكن أن يطلق عليه «حقبة سايكس بيكو»، أي، بعبارة أخرى، وبالاستبعاد العقلي والمنطقي للاحتمال «الكردي» لأسباب معلومة، فإنه لا يعود ثمَّة مستقبل للسُّلطة في هذه المنطقة خارج سياج.. «الدَّولة الدِّينيَّة»!
هذه الرؤية تنوء تحت وطأة الاعتقاد الخاطئ بأن مجرَّد رفع شعار «الدَّولة الدِّينيَّة» كافٍ لتركيع شعوب المنطقة، مسلمين وغير مسلمين، وضمان استكانة قواها المدنيَّة لمشروع «الدَّولة الدِّينيَّة»، وفق النَّموذج «الدَّاعشي» مثلاً. فما حظ هذه الرؤية من السَّداد؟!
(3)
في سياق الإجابة تبرز الحقيقة التي لم يعُد من الممكن أن ينتطح فيها عنزان، وهي ليست، كما قد يتبادر للأذهان، استهداف داعش لغير المسلمين في المنطقة بالتَّطهير «الدِّيني» الوحشي، فتلك أضحت من البديهيَّات، لكن هذه الحقيقة هي اتِّساع الهوَّة، وتعمُّقها، يوماً عن يوم، ولألف سبب وسبب، بين داعش وعامَّة المسلمين أنفسهم، حيث الإسلام، في فكر هذه المنظمة الإرهابيَّة، وفي ممارساتها السِّياسيَّة، ما ينفكُ يتبدَّى، أكثر فأكثر، في أشنع صنوف القمع الدَّموي، والقسوة اللاإنسانيَّة، بينما الذي يفهمه المسلمون بعقولهم، ويستشعرونه بوجداناتهم، رغم كثافة التَّحريف الدَّاعشي وغيره، هو أن الإسلام إنَّما يهدف، ببساطة، إلى نشر العدل والرَّحمة «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» (107، الأنبياء)، ومن ثمَّ، فإن «الدَّولة/السُّلطة السِّياسيَّة» ينبغي، بالتَّبعيَّة، أن تدور حيثما دار هذا المعنى.
من جهة أخرى يفهم هؤلاء، ويستشعرون، بالفطرة، أن الحكمة من خلق الإنسان هي «استخلافه» في الأرض. فيصعب عليهم، بالتَّالي، وبالغاً ما بلغ تواضع معارفهم الفقهيَّة، أن يهضموا فكرة اختطاف خطاب «الاستخلاف» القرآني من جانب «أولي الأمر»، خصوصاً «المتغلبين» منهم، ليحتكروا «تفسير» النُّصوص، و«تأويل» الأحكام، فيحيطون ذواتهم بقدر من «القدسيَّة»، وأفعالهم بقدر من «العصمة»، حتى ليبدو هذا الخطاب كما لو كان موجَّهاً إليهم وحدهم، أو لكأنهم ظلال الله في أرضه، كي يحق لهم أن يستبدُّوا بالأمر، فيستعملون النَّاس فيه استعمالاً، ويحملونهم عليه حملاً.
ولأن فكرة «الدَّولة الدِّينيّة»، لدى داعش أو خلافها، قائمة على شعار «الحاكميَّة لله» أو «الحكم بالحقِّ الإلهي» الذي هو، في حقيقته، صنو الادِّعاء، إما بأن إنساناً ما يحتكر وحده الوكالة عن الله في معرفة وتنزيل حُكمه، أو بأن هذا الإنسان هو نفسه الإله، فلا بُدَّ، في الحالين، من «بشر» ليحكم، ولا فرق، عندئذٍ، بين أن يدَّعي هذا «البشر» أنه «وكيل» الله و«ظله» في الأرض، أو أنه هو الله نفسه!
(4)
ولكل استبداد أسلوب في الاتِّشاح ب «الدِّين». فلئن كان الخوارج أول من رفع الشِّعار في تاريخ الفكر السِّياسي الإسلامي، ولئن استُخدم كثيراً بعد انقلاب الخلافة الرَّاشدة إلى ملك عضود، كسلطة معنويَّة تعضِّد أدوات قهر الشُّعوب، والصِّراعات التي لا تهدأ على العروش، فإن الشِّعار نفسه ليس وقفاً على تاريخ الدَّولة الإسلاميَّة، وإنَّما عرفته البشريَّة بمختلف أجناسها، وأديانها، ولغاتها، وثقافاتها، كما في خبر فرعون، أو أكاسرة الفرس، أو قياصرة الرُّوم، أو شتى ملوك وأباطرة وخواقين العالم القديم.
ويستنتج عبد الرحمن الكواكبي عِلة ذلك من نظرة المستبدين إلى قدرة التَّعاليم الدِّينيَّة على التَّأثير في البشر حين تدعوهم «إلى خشية قوَّة عظيمة هائلة لا تدرك كنهها العقول، تتهدَّد الإنسان.. تهديداً ترتعد منه الفرائص، فتخور القوى، وتنذهل العقول»، فيجدون إغواءً خاصَّاً بمشاكلة سلطانهم بتلك القدرة الاستثنائيَّة الخارقة، ليتيسَّر استرهاب النَّاس «بالتعالي الشَّخصي، والتَّشامخ الحسِّي» (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ص 36 و37).
(5)
وهكذا، فالاستبداد، كنسق لاإنساني مغلق من أفكار ورؤى، ونظام جامد من أخيلة وتصوُّرات، أي كنسق متكامل من أفعال وقابليَّات يجرى اصطناعها قسراً بالمصادمة ل «الفطرة»، غالباً ما يورث، كما في نموذج داعش مثلاً، أنماطاً متفاوتة من تصلب الذِّهن، وحزازة المعتقد، ما يؤدي، في نهاية المطاف، لا لتشويه الضَّحيَّة، فحسب، وإنَّما المستبد أيضاً.
ولا شكَّ في أن القوى الخيِّرة في المنطقة، بما فيها قوى الإسلام الوسطي، ستأخذ في اعتبارها، بالدَّرجة الأولى، هذه الحقائق، من خلال صراعها الحتمي مع قوى الاستبداد التي تتَّشح بأوشحة الدِّين، كما أن جماهير بلدان المنطقة، بما فيها الجَّماهير المسلمة، ستعي، أكثر فأكثر، غربة فكر الاستبداد، وممارساته السِّياسيَّة، عن روح الإسلام الذي يعرفونه، عقلاً ووجداناً، مِمَّا سيرفع إلى أعلى، مستقبل هذه الدُّول، لا كما «يبشِّر» جنرالات الغرب، ومديرو أجهزة استخباراته، بأنه كُتب عليها أن تراوح، مغمضة الأعين، من مصائر سايكس بيكو، إلى مصائر داعش!
عن الخليج الاماراتية