تاريخ النشر: 2016-10-12 | 07:57
تاريخ النشر: 2016-10-12 | 07:57
شغلني كثيرا تعريف منْ هو المثقف؟ وبت أقرأ كتبا عن تعريفات للمثقف حتى قرأت كتابا للمفكر إدوارد سعيد بعنوان المثقف والسلطة، والذي استطاع إدوارد سعيد أن يحدد فيه تعريف منْ هو المثقّف، وذلك حينما رجع إلى غرامشي، ذاك الفيلسوف السياسي الإيطالي، وقام بتحديد تعريف المثقف بتعريفين يتّسمان بالتعارض الأساسي، وبحسب غرامشي وهنا يقتبس منه مفكرنا اللامع، حيث قال بأن جميع النّاس مفكّرون، ولكن وظيفة المثقّف أو المفكّر في المجتمع لا يقوم بها كلّ النّاس، فهناك المثقف التّقليدي والمثقّف العضوي، حيث يشمل النوع الأول من الكهنة، والمعلّمين والإداريّين، كما أنهم يقومون بنفس وظيفة التفكير يوما بعد يوم وعاما بعد عام وجيلا بعد جيل، فوظيفة التفكير عندهم غير متجدّدة، أما النوع الآخر من المثقفين فهم عند غرامشي بأنهم هم المثقفين المنسِّقُين الذين يرتبطون ارتباطا مباشرا بالطّبقات، التي تستخدم المثقّفين في تنظيم مصالحها واكتساب مزيدا من السّلطة، وهنا إذا تم التحول إلى المسار التحويلي، الذي تقوم السلطة بوضعه لكي يكون المثقفون كمحققين لمشروعية ممارستها السياسية، ومن هنا قبول وتبنّي الفئات الاجتماعية مشروعها الاجتماعي، فإدوارد سعيد عرج في كتابه على تعريف المثقف في كتابه المثقف والسلطة حيث استند إلى تعريف الفيلسوف الفرنسي بيندا، والذي قام بتحديد تعريف المثقفين بأنهم عُصبة ضئيلة من الملوك الفلاسفة من ذوي القُدرات أو المواهب الفائقة والأخلاق الرّفيعة، كما أنه قال بتحديد أكثر بأنهم هم طبقة العلماء والمتعلّمين البالغي النّدرة نظرا لما ينادون به، ويدافعون عنه من قضايا مهمة كالحقّ والعدل.
لكن المفكر إدوارد سعيد يبين في كتابه مدى قلقه عن اختفاء صورة المثقّف، التي باتت تقتصر على المهنيّين فقط، ورأى بأنه لا يمكن هنا أن نختزل صورة المثقّف بحيث تصبح صورة ذلك المهني المجهول الهويّة، أي أن المثقف بات فقط فردا كفئا ينتمي إلى طبقة معينة ويزاول حرفته فقط، بل أنّ حقيقة المثقّف الأساسيّة هي كونه فريدا يتمتّع بموهبة خاصة وبإمكانه من خلالها حمل رسالة ما أو تمثيل وجهة نظر معيّنة، أو موقف ما، فالمثقف كما يراه إدوارد سعيد هو ذاك الموهوب الذي يقوم علنا طرح أسئلة محرجة، فهذا المثقف لو تمكنت الحكومة من استقطابه فحينها يفقد بعده النقدي، وبالتالي يخون نصّه الإبداعي، ومن هنا ركز إدوارد سعيد على أن المثقف بشكل عام لديه الفرصة كي يكون عكس التيّار، وأن عليه تمثيل صوت المسكوت عنه وكلّ أمر وُضع طيّ النسيان، فالمثقف هو الذي يكون نبض الجماهير، كما أنه هو الذي لا يرضى قطعيا بأنصَاف حلول أو أنصَافِ الحقيقة، ويظل مصرا على أنّ وظيفته هي أن يُجبر نفسه ومريديه بالحقيقة..