تاريخ النشر: 2018-05-17 | 14:32
تاريخ النشر: 2018-05-17 | 14:32
ينتهي العجز السياسي بفريق خيار الدولتين الى انقسام يكرس كل يوم وصولا الى العقاب الجماعي لأهل غزة بحجة معاقبة حماس مع انه لا يوجد اي خلاف سياسي بين مكونات العمل السياسي الفلسطيني بعد ان فوضت التنظيمات الفلسطينية السلطة بمواصلة المفاوضات التي انتهت الى غرفة الجثث، وبعد ان اعلنت حماس قبولها بدولة على حدود ال1967 .. وهكذا يتجلى الاختلاف بين المتنازعين على محاصصات ومناكفات وتكتيكات وسوء نوايا واحيانا تداخلات خارجية..
ماتت الاوهام واحلام الساسة الفلسطينيين في دولة تجاور "دولة اسرائيل".. ولقد انهت المؤسسة الصهيونية ومن خلفها التيار المتصهين في الادارة الامريكية عملية التسوية التي ركب موجتها تيار سياسي فلسطيني.. وبعد ان اعلن الرئيس الفلسطيني ان القصة كلها خديعة من قبل الامريكان وان المفاوضات تغطي الاستيطان وان السلطة بلا سلطة وان الاحتلال الصهيوني هو الاقل تكلفة.. بعد هذا التقرير الفلسطيني الرسمي لم يعد مبرر للاستمرار في عملية التسوية بالاشتراطات التي تمت فيها على الاقل.
سقط خيار الدولتين الذي اضاع من عمر شعبنا عقودا طويلة وحرمنا من الاستفادة من تضحياتنا وانتزع من ادواتنا عناصر القوة الميدانية واغرقنا في تيه السلطة وما انبثق عنها من احتياجات وفساد اداري ومالي، ولكن لابد من التأكيد على اننا لا نشجع محاسبة اصحاب خيار التسوية في هذه المرحلة الحساسة واولئك الذين حملوا الموقف الفلسطيني ما ينبغي ان لا يحمله من ارهاق الجري خلف السراب.. فهناك رحلة طويلة من السعي الدءوب قضاها المفاوضون السياسيون والامنيون والاقتصاديون وتكونت على اساسها اجهزة امنية كانت مهمتها فقط ملاحقة خيار المقاومة وانشئت زنازين وسجون لتضم كل شاب او قائد يفكر بمقاومة الاحتلال الصهيوني في الضفة الغربية وغزة بحجة الدفاع عن المشروع الوطني.. كما لمع نجم شخصيات في الجانب الاقتصادي كثمرة للتواصل مع المؤسسات التجارية الصهيونية، وتزاوج الامن بالمال فكانت المصالح متداخلة بين ماهو شخصي وماهو برنامج.. وتمت صياغة اتفاقية باريس الاقتصادية التي لا يمكن الا القول بانها مهزلة مضرة بالاقتصاد الفلسطيني وبالطموح الفلسطيني وبجيب المواطن الفلسطيني.. اما السياسي الفلسطيني فلقد جعل نصب عينيه ان يصل الى مرحلة يتجاوز فيها الواقع المؤقت الذي فرضته المؤسسة الصهيونية.. الا انه في نهاية المطاف اصبح محاطا باصحاب المصالح الذين غطوا على افق الشمس مما زاد الوضع الفلسطيني تعقيدا.
سقط خيار الدولتين وتلاشى ولاعودة اليه ولعل المتسبب الرئيسي في سقوطه السياسة الصهيونية الممنهجة التي استغلت مرحلة التسوية والمفاوضات وضعف اداء الطرف الفلسطيني وغياب الموقف الرسمي العربي الداعم في تغيير معالم الارض بمزيد من حملات الاستيطان المجنونة وانتهت العملية بالاعلان عن ضم القدس رسيما للكيان الصهيوني وبهذا انتهت اتفاقية "اوسلو".
وحتى يكون الامر واضحا لابد من تناول الموضوع منذ 1974 حيث بدأ خيار التركيز على سلطة وطنية على اي قطعة ارض يتم استعادتها.. ترافق ذلك مع انجاز اكبر مكتسب سياسي للكفاح الفلسطيني وهي الاعتراف العربي بان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.. وبمقدار اهمية هذا المنجز السياسي تم اختراق الوعي السياسي الفلسطيني ببرنامج مرحلي سمي برنامج النقاط العشر الذي اطلق العنان لخيار الاتصالات بالمؤسسة الصهيونية وبالاشتراكية الدولية على اسس جديدة من الثوابت الفلسطينية حيث جعلت حدود ال1967 اساس العملية السياسية وبالفعل تلقى الفلسطينيون اشارات قوية من عدة جهات دولية بانه من الممكن والعملي ان ينال الفلسطينيون الضفة الغربية وقطاع غزة لإقامة دولتهم.. واصبح التفاؤل كبيرا بعد ان تعهدت جهات دولية عديدة بان دولة فلسطينية تقع في دائرة الممكن و بدأت الاشتراطات على العمل الفلسطيني في خطابه واهدافه من جهة ليصبح مقبولا كشريك في العملية السياسية ومن جهة اخرى بدأت عمليات منهجية لإضعاف المقاومة الفلسطينية بتحجيم قوتها واخراجها من ساحات المواجهة الاساسية.. ولايمكن اغفال ادوار بعض الانظمة العربية في هذه المهمة المزدوجة.
لقد انجزت المؤسسة الصهيونية مع بدايات التسعينات من القرن الفائت شروطا ذاتية وموضوعية محصلتها ضعف الحالة السياسية الفلسطينية وهزالها وتشتتها ووصولها الى حالة الترنح السياسي.. في هذه الظروف تم الهجوم المكثف بانتزاع اعتراف من الفلسطينيين بالكيان الصهيوني وشرعيته دونما اعتراف من اسرائيل بدولة فلسطينية او ارض فلسطينية او بحدود الدولة.
يتوقع الاستعماريون انهم انجزوا انجازات استراتيجية في المنطقة: اسقاط العراق وتدمير سورية والهيمنة الكاملة على ثروات الخليج.. فكان لابد من تتويج ذلك بالإعلان عن كون القدس عاصمة الكيان الصهيوني.. ولكن وبيقين مضاد تحرك الفلسطينيون شيئا فشيئا للاعلان عن بداية السطر الاول من قضيتهم فكانت مسيرتهم الكبرى بعنوان العودة..فكان السطر الاكثر وضوحا والناسف للرواية الصهيونية تماما والقادر على وضع الصراع من جديد في وضعه الطبيعي بعيدا عن الاوهام.
وهنا لابد من فهم ان احياء فكرة العودة ينبغي ان يحمل رواية مختلفة ويتزود بمنهج مختلف ومفردات اخرى تماما.. فالعودة هنا حق انساني تكفله كل القرارات الدولية ولا يملك احد التصدي له.. هذا يعني ان الحديث في اي موضوع اخر مهما كان مهما فهو مضيعة للوقت لانه ليس وقته ويشتت الاندفاع.. فالحديث عن الاستيطان و تحرير الاسرى والاتفاق الاقتصادي والحدود وسوا ذلك انما هو من فضل القول وحتى الحديث عن كيفية التعامل مع المهاجرين اليهود لفلسطين و ما هو مصيرهم كل ذلك يدخلنا الى التيه.. ففقط المسألة تنحصر في عودة اللاجئين الى بيوتهم وقراهم ومدنهم وبلداتهم.. وهذا يعني ان الرواية الفلسطينية تقرأ من سطرها الاول.
لقد سقط مشروع الدولتين لاسباب عديدة اهمها المخطط الصهيوني لافشالها والان يصبح الانتباه الى المشروع الاخر اكثر جدية ووجاهة انه مشروع العودة بكل زخمه الانساني والسياسي وبما له من علاقة حيوية بحياة ومصير الشعب الفلسطيني.. حيث يظل المشروع الفلسطيني اعوجا وعقيما دون طرح مشروع العودة.. فلقد فرط المفاوض الفلسطيني كثيرا بموضوع العودة وقزمها الى حد لايقبله التاريخ ولا الجغارفيا ولا عموم الشعب الفلسطيني.. فاللاجئون هم اقوى عناصر النكبة الفلسطينية واكثرها جلاء وغياب وهج قضيتهم يفقد زخم القضية الفلسطينية من احد اهم عناصرها.
الملفت ان هناك شعارات دقيقة ومركزة لدى المسيرين لمسيرة العودة وانهم لا يخلطون بهدفهم اهدافا اخرى تشتت النظر عنه، وان هناك تعامل مهم مع ادوات المواجهات الشعبية ضد الجنود الصهاينة.. واستطاعت فكرة العودة ان تخرج ابناء الشعب الفلسطيني كما لم يخرج من قبل وفي كل مكان في العمق الفلسطيني كما في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان والاردن وسورية وفي كل بلاد المنافي والشتات ويقدم عشرات الشهداء والاف الجرحى في واحدة من المواجهات التاريخية التي يتجلى فيها الايمان بالحق.
كان برنامج وخيار الدولتين يتعامل باستحياء مع موضوع العودة ولقد ابدت السلطة في هذا الملف ما يمكن وصفه بتنازلات كبيرة في موضوع اللاجئين.. ولقد اعلن كبار مسئولي السلطة انهم لا يسعون الى اغراق الكيان الصهيوني باللاجئين الفلسطينيين.. ومن هنا يمكن اعتبار العملية السياسية التسووية تجاوز لثوابت القضية الفلسطينية.
خيار العودة نجح حتى الان ان يخرج ابناء الشعب الفلسطيني الى الاندفاع نحو بلداتهم وهاهم بعد شهر ونصف من المواجهات يزدادون اضطراما.. ونجح كذلك ان يعيد الجميع الى اس القضية الفلسطينية انه موضوع اللاجئين حيث ثم طرد 90 بالمئة من اهل فلسطين ونهب ما هو اكثر 80 بالمئة من ارض فلسطين.
اكثر من 11 من مجموع 14 مليون هم اللاجئون موزعين في الشتات او في قطاع غزة والضفة الغربية اصبحت حقيقتهم اليوم اكبر من التنظيمات والسياسيات.. انها حقيقة الوجود الفلسطيني التي تجعل من موضوع العودة موضوعا حيويا صادقا مقبولا انسانيا وواضحا لا غموض فيه وان سواه وهم.