تاريخ النشر: 2019-01-09 | 17:02
تاريخ النشر: 2019-01-09 | 17:02
لانزال نعاني من غياب المنهجية في تعاملنا مع عناصر الحياة وعناوين التدافع البشري.. فنحن لا نعرف ما يلزم للمسألة المعينة السياسية او الاقتصادية فنقدم لها معالجة لا تصلح لها وليس هذا هو مجالها.. نتكلم عن السياسة والمصالح وإدارة المعركة فيخرج علينا آخرون يتكلمون عن الأيديولوجية والعقائد.. وهذا يجعلنا عاجزين عن التفرقة بين الاختلافات الجوهرية والاختلافات الثانوية.. ولا نستطيع ان نبرز الثابت ونبني عليه بل نكون في حالة الاضطراب نساوي بين الثابت والمتغير ونقدم الطارئ على الأساسي، وهذا من شأنه ان يصنع لنا صداقات وهمية وعداوات مجانية.. وهذا هو سبيل الخاسرين والتائهين والذين يصبحون مطية لأعدائهم ولا قيمة لما بين أيديهم من إمكانات.
وهنا نحتاج الى الاقتراب بهدوء ودقة لتبيان موضوع حيوي وحساس ولعله أكثر المواضيع التي تمس الأمن القومي العربي حيث الإجماع المعنوي والثقافي قائم على ان الكيان الصهيوني هو نقيض جوهري لمصالح الأمة في الوحدة والنهضة والاستقرار كما انه عدوان سافر على كرامتها وقدسها وفلسطين إلا انه وبرغم ذلك يصار الى حالة تسارع في التطبيع مع الكيان الصهيوني ولعل معظم البلدان العربية لها صلات علنية او سرية مع أجهزة الأمن الصهيونية بل يتعدى الأمر ذلك الى الاقتصاد والسياسة.. وفي حسنا التاريخي وثقافتنا التاريخية تحتل إيران مكانة مميزة فنحن شركاء حضارة أسهم فيها الإيرانيون إسهامات معتبرة، والعرب والإيرانيون يعيشون في جيرة منذ عشرات القرون وقد تداخلت بينهم الأنساب والأمزجة والثقافات وتأثر كل منهما بالآخر على مستوى الفكر والاجتهاد والسياسة ويجب ان نؤكد ان العلاقة بيننا وإيران تاريخية قبل الإسلام وبعد الإسلام وان لا احد من الطرفين يمكن ان ينفي الآخر او يلغي وجوده وقيمة دوره.. رغم ذلك يصار الآن الى تفجير الأزمة مع إيران تحت عناوين شتى فمرة نسمع انها مسالة طائفية وأخرى قومية وثالثة طموحات إقليمية وسياسية.. وهكذا وصل الحال بالنظام العربي الى الانخراط في مخططات أجنبية معادية لتدمير إيران.
ونجد ضرورة إلقاء الضوء على المواقف الأمريكية تجاه إيران لاكتشاف طبيعة العلاقة بين إيران وأمريكا على الأقل وعلى الأوسع علاقتها بالنظام العالمي.. فالخطاب الأمريكي يعبر عن حالة واحدة تعمدها السياسة الأمريكية.. فمثلا عندما يعلن المبعوث الأمريكي بخصوص مهمته في سورية وعملية الانسحاب ان المهم لديه مصلحة إسرائيل، والتصدي لشرور إيران، وعندما يتكلم الجنرال الأمريكي زيني المبعوث الى الخليج ان مهمته إنشاء ناتو عربي ضد إيران.. وعندما يصرح نتنياهو عن علاقات إستراتيجية مع دول عربية تشاركه الاهتمام بضرورة التصدي لإيران.. و دول الخليج الإمارات والبحرين وسواهما تطبع حتى الثمالة مع إسرائيل في الحين الذي تهرول نحو سورية و بلا خجل يقولون انهم يريدوا إخراج النفوذ الإيراني من سورية.. وعندما يلتقي مسئول الموساد بمسئولي الأجهزة الأمنية العربية الخليجية وسواها حول موضوع واحد وهو التصدي لإيران.
وفي المقابل مناورات عسكرية برية وبحرية إيرانية في مواجهة القوات الأمريكية وخطاب سياسي عال الوتيرة ضد التواجد الأمريكي في المنطقة بل وتقدم في الساحات في مواجهة صنائع المخابرات الأمريكية كما حصل في سورية وسواها.
الأمر ليس كلاما فقط او خططا سرية... بل الإجراءات صارخة في عقوبات ومحاصرة وتحريض لدول العالم على تشديد الحصار على إيران.. وإلغاء اتفاقيات دولية معها فيما هي لا تشن حربا على دولة أخرى كما يفعل آخرون في المنطقة السعودية والإمارات مثالا.
بعد هذا كله نسأل هل لأحد دليل أن إيران تطبع مع إسرائيل كما يفعل معظم النظام العربي؟ هل يمتلك احد دليلا ان هناك غير إيران من الدول العربية والإسلامية من يعلن بوضوح وقوفه مع الكفاح الفلسطيني؟ هل يستطيع احد إثبات ان إيران تنازلت ولو جزئيا في موضوع فلسطين؟
بعد هذا كله.. لماذا يتم الزج بالنخب العربية الثقافية والوطنية، وبحركة الشارع العربي في تصادم مع إيران؟ فهل المطلوب إزاحة إيران من الخريطة؟ ام هل من المعقول منع إيران من طموحها كدولة؟ أم أن لإيران مواقف يجب تعديلها؟ أم ان عجز إيران عن شرح سياستها وتبيان أهدافها بشكل واقعي جعلها تعيش مظلومية موقف مجاف من العرب والمسلمين؟ ام أن الافتراء والفجر في إشاعة فحشاء التورط في تجاوز حق العرب في فلسطين والتورط في صيغ لإنهاء الملف الفلسطيني يجد ضرورة شيطنة إيران كما كانت كل حالات النهضة والصمود في امتنا تشيطن؟ وان ما تفعله أدوات الأنظمة الإعلامية والدينية والسياسية والأمنية أنجزت أهدافها الى حد كبير في صنع حالة العداء نحو إيران.
بفعل فراغ مذهل في الساحة من أي قوة عربية مركزية يعاني الأمن القومي العربي من تحديات إقليمية وأخرى دولية فهو يواجه على الصعيد الإقليمي ثلاثة تحديات: 1- طموح تركي جامح يصل الى حد التدخل العسكري المباشر لتغيير خرائط سياسية لدول عربية وتغيير أنظمة حكم كما حصل في سورية والعراق وإقامة قواعد عسكرية في بعض المناطق العربية ويتحرك التحدي التركي في ظل تنسيق استراتيجي مع حلف الناتو ومن خلال ما هو مسموح له من قبل الأمريكان، 2- التحدي الصهيوني الذي غرس في القلب من المنطقة وفتك بالشعب الفلسطيني وغير معالم المنطقة واحدث انقساما سياسيا في تواصلها السياسي ولا يزال هذا التحدي يقوم بوظيفته التي أنشء من اجلها و التي تتطور حسب تطور الإستراتيجية الأمريكية نحو المنطقة والتي تقضي باستنزاف المنطقة وحلبها وإرهاقها امنيا وتفكيك أي عناصر قوة فيها، 3- تنامي الدولة الإيرانية وتنامي دورها الإقليمي ولكن من الواضح انها تتحرك في التضاد مع السياسة الأمريكية والصهيونية وقد فرضت نفسها في المنطقة في ظل حصار وعقوبات دولية قادتها أمريكا ويبدو من التحرك الإيراني ان هناك صياغة مختلفة تسعى اليها إيران في محاولة لتشكيل محور مضاد لسياسة الأمريكان التي تسير نحو تفتيت الدول فكان للدور الإيراني أثره الفاعل في حماية وحدة العراق لاسيما بتنفيس الانفصال الكردي وحماية وحدة سورية من خلال دعم غير مشروط.. إلا أن هناك ملفات أخرى يغم على المتابع العربي فهمها وهي تحتاج الى شروح وتبريرات او تصحيح وتغيير سلوكات على نسق الملف اليمني والعراقي الداخلي و ملفات أخرى يجد المثقف العربي تناقضها مع خط سياسي تكرسه إيران في جملة تحركاتها أنها دولة نقيضة للكيان الصهيوني.. وهذا يستدعي فتح حوارات إستراتيجية بين إيران والعرب للتوصل الى تفاهمات عميقة وإستراتيجية.
على المستوى الدولي التحديات الخطيرة القائمة أمام العرب: 1- غطرسة أمريكية وعقلية استعلائية عدوانية تمارس الإدارات الأمريكية من خلالها سلوكا ممنهجا لتدمير إمكانيات الاستقلال للمنطقة العربية وتكريس تبعيتها وإذلالها لاستمرار تدفق الثروات على الشركات الضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية:3- التحدي الروسي الجنوني الذي يسعى لاستعادة دوره الدولي من منطقة حيوية ينجز المنتصر فيها موقعه العالمي المتميز كما ان لروسيا هدف استراتيجي قريب وهو فك العزلة والحصار عنها باقترابها من ساحة مغرية،3- هجوم الاقتصاد الصيني على أسواق العرب مما فتك بصناعاتهم الجنينية الأولية وحاصرهم في كل مكان في إفريقيا واسيا..
عندما نقوم بإعادة قراءة هذه العناوين وبتفصيل وعلمية ومنهجية نكتشف إننا نتقرب لأعدائنا الذين لا تقاطع بيننا وبينهم وفي الوقت نفسه نصنع العداوات مع أطراف هي الأقرب إلينا بطبيعة التكوين وطبيعة التوجه وان الاختلافات بيننا وبينها ثانوية تحتاج الى تفكيك وإعادة تركيب للمحافظة على ثروات المنطقة وللمحافظة على سلامة استقرار شعوبنا بمكوناتها المذهبية والعرقية.. إلا أن العكس بالضبط هو الحاصل فلقد طبع النظام العربي مع إسرائيل وارتمى أكثر في مصيدة الأمريكان او لجأ الى الروس بلا تحسبات او فتح أسواقه للصين بلا تحرز.. إننا كسبنا صداقات وهمية وصنعنا عداوات مجانية.. فهل إلى إعادة الوعي من سبيل؟