تاريخ النشر: 2017-06-13 | 08:59
تاريخ النشر: 2017-06-13 | 08:59
لا شك بأن القضية الفلسطيني تواجه التحدي الأكبر في تاريخها هذا جاء بالتزامن مع الأزمة الخليجية القائمة التي تفرض علينا تخوفات من مشاهد الدمار التي تعج بها بلدان المنطقة العربية في هذه المرحلة، نتيجة الصراعات الدينية والطائفية التي تعصف بها، وهذا بدوره أدى إلى تفكيك وحدة هذه البلدان ، والدارس للتاريخ تتضح له الآثار المدمرة التي حصدتها القارة الأوروبية نتيجة الصراعات الطائفية آنذاك وعليه أن يتعلم ويستخلص الحكمة.
لذلك أجد أنه من المنطق أن تتوجه حكومات المنطقة العربية لمرحلة مراجعة السياسات والاستراتيجيات وذلك من أجل الانطلاق الحقيقي في مرحلة البناء والاستثمار في الإنسان بدلاً من الغرق في الصراعات، وأن تبحث عن آلية تعاون مشترك مع باقي الأمم المجاورة حفاظاً منها على وحدتها التي ترتكز في مجملها على لغة واحدة وسمات ثقافية واحدة، تؤهلها لأن تستكمل مسيرة البناء التي بدأتها في العقد الأخير لتبني دول عصرية تتلاءم مع التطور الهائل في علوم البناء والاقتصاد، أسوة بدول بدأت مسيرتها النهضوية من تحت الرماد كاليابان وألمانيا اللتان حققتا إنجازات إنسانية واقتصادية مثيرة للإعجاب لا بل تستحق بأن تكون قدوة ، كما لحقت بهم مؤخراً تركيا لترتقي باقتصادها من القاع إلى القمة وهذا أدى إلى رفع مستوى معيشة الفرد التركي بشكل عام في فترةٍ قياسية.
لذلك لابد من المصارحة والمكاشفة حول مسببات هذا الهبوط في سلوكيات الفرد العربي، الذي تطول حتى أصبح سمة عامة للمجتمعات العربية بشكل عام، أدت إلى تراجع الانتماء الوطني ومن ثم التراخي في فكرة البناء على مستوى الإنسان والمؤسسات الوطنية التي باتت فريسة ينهشها الفساد نتيجة تبعيتها لحكم الفرد وغياب المحاسبة والرقابة والشفافية، حيث أن الأنظمة الشمولية التي تمثل الغالبية في الوطن العربي وبخاصة العسكرية منها فصلت بين الدولة المدنية والمضمون الديموقراطي الذي يتيح الفرصة لبناء الإنسان وإفساح المجال أمامه للإبداع ومن ثم المشاركة في بناء الأوطان، وهذا بدوره أدى عوضاً عن ذلك إلى مسيرة من الاستبداد وانتهاك مبادئ العدالة والمساواة.
كما أن فكرة المحاصصة والطائفية السياسية التي عملت على تغييب الهوية الوطنية والوحدة المجتمعية أدت إلى انتكاسات متلاحقة في العلاقة بين الفرد والمؤسسات الرسمية ، فباتت العلاقة فيما بينهم مبنية على عدم الثقة من جهة، ومن جهة أخرى البحث عن آلية لتحقيق المكاسب الفردية والحفاظ على المزايا ، ومن ثم أصبحت هناك مساحة واسعة أمام ترعرع الأفكار المتطرفة في ظل غياب العدالة.
هذا أدى إلى تهديد فكرة بناء الدولة الحديثة التي باتت تنتهجها الدول العربية في الآونة الأخيرة وكان مثال ذلك مما وصلت إليه مدينة دبي الجميلة التي باتت تمثل مفخرة عمرانية رائعة يتحدث عنها العالم أجمع لا بل يتسابقون من أجل زيارتها ، وهذا بالتأكيد كان قد فتح المجال أمام عدة دول أخرى في المنطقة، بدأت تبحث عن آلية بناء إبداعية تحاكي التطور المذهل الذي وصلت إليه دبي، فبدأت الدوحة تعمل من أجل اللحاق بها وبالفعل حققت نهضة إعمارية مذهلة ، ومن ثم بدأت المملكة العربية السعودية بالتخطيط إن لم تكن قد بدأت بالفعل في بناء مدينة وعد الشمال التي تحدثت المخططات العمرانية عنها بأنها ستكون شاملة بكل مقومات الحياة العصرية من الناحية التعليمية والإنشائية والترفيهية والإبداعية لتسبق بتنظيمها وجمالها توفير الخدمات فيها أكثر مدن العالم حداثةً.
بالمقابل هناك دول مثل العراق وسوريا يكسوها الحزن والكآبة نتيجة الصراع الطائفي الذي خلق حالة معقدة غير معهودة عندما نجم عن هذا الصراع ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي أدخل ثقافة دموية غير مسبوقة في تاريخ البشرية ، وهذا أفسح المجال أمام المزيد من الهدم على كل المستويات التي تمثل عنوان دولة.
لذلك فإن إغلاق الأبواب أمام أي نعرات سلطوية أو جهات متطرفة أو إرهابية وتجفيف منابع الدعم لها من خلال التعاون الدولي والإقليمي على أساس إعــادة الاعتبــار لمفهــوم العدالــة الأممية والاجتماعيــة والاقتصاديــة وترســيخ مفهــوم الشــراكة المجتمعية بكل مستوياتها سيفضي بلا شك إلى حماية الدول ومؤسساتها وإلى البدء بحالة بناء شاملة ولن يكون ذلك أبداً يمثل مساساً بسيادة أي دولة.
كما أنه سيساهم بفرض هيبة الدولة وتفعيــل الــدور القيــادي لها فــي التنميــة الاقتصاديــة وبعدهــا الاجتماعــي، وإفساح المجال أمام إصــدار قوانيــن وتشــريعات ووضــع آليــات شفافة وضوابــط فعالــة، وخلــق آليــات رقابيــة رادعــة تتحكم في مكونات الدولة وضمان استمراريتها.
هذا يجعلني لأن أعبر عن أمنياتي التي أتطلع من خلالها لأن أرى الموقف الفلسطيني وقد أصبح أكثر انفتاحاً وأكثر إدراكاً وأكثر وعياً وأكثر اتزانا في التعاطي مع مصلحة الشعب الفلسطيني الذي يتوزع معظم أبنائه على العديد من الدول العربية ، والذين قد ساهموا في بنائها والارتقاء باقتصادها، كما أنهم أصبحوا أعضاء في برلمانات غربية ، مما جعل الأمل يحذوني لا بل بات يتملكني بأن هناك فرصة ليتخذ الفلسطيني المبادرة من أجل التركيز على بناء الإنسان وإفساح المجال أمام مشاركته في بناء دولته المنشودة ، والتي بات الجميع على كل المستويات ، إليها متعطشين، وإليها يتطلعون، ومن أجلها يتمنون بأن تتوحد الجهود من أجل الارتقاء بالإنسان الفلسطيني سياسياً وثقافياً وإنسانياً واجتماعيا وسلوكياً ليرتقي بفكره ويتقبل الآخر ويتعايش معه، ويبدأ رحلة سلام مع باقي الأمم من أجل بناء دولة جميلة لا عنف فيها ولا صراع داخلي على نفوذٍ أو أوهام سلطة ولا حكم فيها لدين مسيس، لا بل تحمل عنوان واحد فقط هو فلسطين الجميلة تجمعنا وبناء الدولة الجميلة هدفنا وأن نرى الوطن العربي معافى سليم بدون أزمات ولا صراعات هو سندنا وعوننا والمجتمع الدولي هو مظلتنا .