تاريخ النشر: 2018-06-27 | 09:44
تاريخ النشر: 2018-06-27 | 09:44
ثمة أوجه شبه بين ما يجري في أوروبا وثلاثينات القرن الماضي. وثمة نازع حاد الى التطرف القومي، وأحزاب اليمين المتطرف تبرز- وشريان حياتها هو الانقسامات في المجتمع، وغياب احترام الآخر. وهذه الميول متفشية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وفي أوصال أوروبا. والأسوأ يدور في بولندا وهنغاريا مع فيكتور أوربن. وأحد أبرز عوامل الفاشية هو تحميل الآخر تبعة المسؤوليات، وغالباً ما يكون الآخر هو الغريب أو من يشهر ديانة مختلفة. وهذا ما نزل باليهود في أوروبا، وينزل اليوم بالمهاجرين. فالرئيس ترامب وصف المهاجرين بـ «الحيوانات»، والمكسيكيين بالمغتصبين والإرهابيين، وقيّد دخول المسلمين الى البر الأميركي. وفي هنغاريا، يُنفخ في الخوف من غير الأقحاح. ومن سمات الفاشية كذلك ذيوع البروبغندا وانتشارها. وليس يسيراً تعريف الفاشية. فهي لا تتشابه من بلد إلى آخر ومن زمن الى آخر. ولا أرى أن العودة الى الرايخ الثالث ممكنة. واليوم، الفاشية الفعلية هي في كوريا الشمالية: سلطة مركزية ركنها زعيم أعلى منزه يستخدم القوة ضد شعبه. وأمثل ما قيل في تعريف الفاشية صدر عن موسوليني: «انتفوا ريش الدجاجة ريشة ريشة فلا يلاحظ أحد (ما يجري)». واليوم، في بعض البلدان، خسرت الدجاجة كثيراً من الريش. ولذا، لا مناص من قرع ناقوس الخطر.
وفي القرن الحادي والعشرين نازعان كبيران: العولمة- وجوانب كثيرة منها إيجابية. ولكن الجانب القاتم منها هو غموضها. فهي من دون وجه، فيبحث الناس عن هوية تسمهم، وينزلقون الى القومية- وهذه قد تكون خطيرة. والنازع الثاني هو التكنولوجيا. وأوجهها إيجابية، ولكن المقلب الآخر منها سلبي: فالناس انفصلوا عن الواقع ولا يستمعون إلى الخطاب الذي يبايعونه. وهذا يفاقم الانقسامات. وأستعير في كتابي «الفاشية: تحذير» من وادي السيليكون عبارة تقول: المواطنون يتوجهون الى حكوماتهم بواسطة تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، والحكومات تصغي اليهم بواسطة تكنولوجيا من بنات القرن العشرين، وتقترح عليهم حلولاً من القرن التاسع عشر». فالحكومات لا تنزل على حاجات الناس الذين فقدوا الثقة في المؤسسات. وتسعى الشعوب وراء زعيم يلم بكل شيء، من دون إدراك مخاطر احتكار السلطة.
وفي أوروبا، يبدو أن الاشتراكيين- الديموقراطيين أخلوا بمسؤولياتهم، والشعب كذلك يتصرف وكأنه في حل من التزاماته. فالعقد الاجتماعي يقضي بتخلي الأفراد عن بعض حقوقهم مقابل حماية الحكومة ومساعدتها (الصحة، التعليم...). أما في الولايات المتحدة، فيبدو أن الجسور تقطعت بين الحزب الديموقراطي وقاعدته.
وليس دونالد ترامب فاشياً، ولكنه أقل الرؤساء الأميركيين في العصر المعاصر، احتراماً للمبادئ الديموقراطية. فهو يعادي الديموقراطية معاداة فطرية. وهو فاقم انقسامات المجتمع، وأعلن أن الصحافة هي عدوة الشعب، وهو لا يحترم المؤسسات، وخصوصاً العدالة.
* وزيرة خارجية أميركا في إدارة بيل كلينتون، عن «لوبوان» الفرنسية
عن الحياة اللندنية