تاريخ النشر: 2018-09-24 | 10:09
تاريخ النشر: 2018-09-24 | 10:09
التطورات التي تمرّ بها تونس توحي، في نظر البعض، أنّها مقبلة على تشكّل مشهد سياسي تونسي جديد لا وزن كبيراً فيه لـ«نداء تونس»
تحول الخلاف الذي يدور منذ أشهر، بين رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد، وحزب «نداء تونس» الحاكم، إلى معركة مباشرة بين نجل الرئيس التونسي، حافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي للنداء، والشاهد الذي يعتبر أحد أهم قياديي الحزب.
وزادت الأزمة حدة بعد أن رفض الشاهد الإجابة على «استجواب» وجهته له الهيئة السياسية للحزب، ما حدا بها إلى تجميد عضويته (14/9)، في خطوة «تصعيدية» للخلاف بين الطرفين. وتضمّن الاستجواب أسئلة عن ماهية علاقة رئيس الحكومة بالحزب وبمؤسسه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، وطبيعة علاقته مع حركة النهضة التي تجري من دون علم الحزب، إلا أن رئيس الحكومة تجاهل الردّ.
هذه الدلالات والتراكمات كلّها توحي، في نظر البعض، أنّ تونس مقبلة، في الأفق القريب أو المتوسط، على تشكّل مشهد سياسي تونسي جديد لا وزن كبيراً فيه لنداء تونس.
غياب الأولويات
وفي ظلّ هذا الوضع، عبّر كثيرون عن أسفهم لانشغال «البلد كلها بمناورات وطموحات البعض السياسية والشخصية»، على حساب الاهتمام بالأولويات الاجتماعية والوضع الاقتصادي والمعاشي الذي صار ضاغطاً على أغلب الفئات الاجتماعية، وخصوصاً الفقيرة منها!.
ويطالب الجناح الذي يقوده السبسي الابن في «النداء» باستقالة الشاهد، وفتح الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة، بدعوى تردي الوضع الاقتصادي خلال عامين من عمر حكومة الشاهد.
وليس هذا التيار وحده من يطالب باستقالة الشاهد، بل هنالك أيضاً الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة عمالية في البلاد. وكذلك تحالف «الجبهة الشعبية» (تكتل المعارضة الرئيسي ويتكون من أحزاب يسارية وقومية)، وهو يدعو الأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية والتونسيين إلى «العمل من أجل إسقاط الحكومة في أقرب وقت ممكن، لإيقاف النزيف ووقف الانهيار وبلورة بديل وطني للإنقاذ».
وفي المقابل، يتهم الشاهد نجل الرئيس بتدمير الحزب الحاكم من خلال «قيادته بطريقة فردية، وتصدير مشاكل الحزب لمؤسسات الدولة التي يرى أنها تضرّرت من ذلك». وهو يعتبر أن «الصراعات السياسية الجانبية شوّشت على عمل الحكومة، ومثلت قوة جذب إلى الوراء وعرقلت مسار الإصلاح لتحقيق النمو الاقتصادي».
ويحذر الشاهد من أنّ تغيير الحكومة سيؤدي إلى «قطع المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية المقرضة». ويقول إن «تونس في حاجة الى هذه التمويلات بشكل عاجل لسد العجز في الموازنة». يُذكر هنا أنّ الشاهد، وهو سابع رئيس وزراء منذ «ثورة يناير 2011»، سجّل رقماً قياسياً في مدة بقائه في الحكم منذ تعيينه في آب/ أغسطس 2016، وهو يحظى بتقدير الجهات الدولية المانحة التي تؤمن المساعدات المالية لتونس.
نقطة اللاعودة
ويرى مراقبون أن العلاقة بين قيادة «النداء» والشاهد وصلت إلى «نقطة اللاعودة» بانتظار إعلان القطيعة النهائية بين الطرفين. وسط مؤشرات توحي بأن الشاهد يعتزم تأسيس حزب سياسي جديد للدخول به على خط المنافسة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية نهاية 2019، بعد أن تمكّن (على رغم كلّ الضغوط التي تعرّض لها)، من تحصين نفسه بحزام سياسي وبرلماني يؤمّن له البقاء على رأس الحكومة إلى أي وقت يشاء قبل حلول الاستحقاق الانتخابي.
ويقول هؤلاء إن الشاهد الذي يحظى بدعم المانحين الدوليين خارجياً، وشريحة هامة من التونسيين داخلياً، على خلفية حربه على الفساد، هو ما يمكن أن يجعل منه خصماً قوياً في معركة الرئاسة القادمة، في حال ترشّحه.
يذكر أنّ «نداء تونس» الذي فاز في انتخابات 2014، وحصل خلالها على 86 مقعداً، شهد عدة انشقاقات أدّت إلى خسارته الأغلبية البرلمانية، وتراجعت أخيراً كتلته النيابية إلى مستوى 48 مقعداً، وأصبحت حركة النهضة الإسلامية هي المتصدرة بـ68 مقعداً.
وتشكلت في الآونة الأخيرة كتلة جديدة تدعم استمرار الشاهد على رأس الحكومة، باتت هي الثالثة في البرلمان، تحت مسمّى «الائتلاف الوطني» (41 نائباً)، يتحدّر أغلبهم من «النداء». كما يحظى الشاهد بدعم «النهضة»، على رغم أنّ دعمها له مشروط بعدم ترشّحه للانتخابات الرئاسية القادمة.
«نجل الرئيس»!
وإذا كان هناك كثير من الأحزاب والمنظمات النقابية والشخصيات الوطنية ترى أن الشاهد يمثل جزءاً رئيساً من الأزمة التي تشهدها البلاد، ففي المقابل، هنالك جزءٌ آخر موازٍ للأول، يرى أن «نجل الرئيس» يمثل بدوره مشكلة رئيسية من مشاكل البلد الكثيرة!.
ومن المعروف أنّه ليس الشاهد والمستقيلون من النداء أو المنشقون عنه، وحدهم من يعترضون على إدارة السبسي الابن للحزب وعدم إجراء مؤتمر انتخابي منذ تأسيسه عام 2012، (عندما كان يتزعمه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي)، بل هناك كثيرون يشاطرونهم هذا الاعتراض، من مختلف الأحزاب السياسية وعلى خلاف مرجعياتها وأيديولوجياتها، وهذا صار يشمل حتى حركة النهضة التي سبق لها وأبرمت «تحالفاً استراتيجياً» معه، إذ أنها باتت تميل إلى تحميله مع حزبه «مسؤولية الأزمة التي تشهدها البلاد».
وأمام التطورات المتلاحقة التي تشير إلى أن الأزمة في البلاد تتجه نحو مزيد من التفاقم، وسط انسداد المشاورات والاتصالات التي أجراها الرئيس التونسي أيضاً، وخاصة حول النقطة 64 من «وثيقة قرطاج 2»، (التي تدعو إلى إقالة الحكومة الحالية برمّتها بما في ذلك رئيسها الشاهد، والتي يبدو أنها طويت الآن)، كشفت مصادر سياسية عن أنّ هذا كلّه خلّف احباطاً لدى الرئيس السبسي، وقرّر التخلي نهائياً عن مساعيه لاحتواء الأزمة التي تعيشها البلاد، وترحيل المشاورات السياسية إلى قصر باردو حيث مقر البرلمان، لعلّ رئيسه محمد الناصر يفلح في تحقيق اختراق سياسي بعيداً عن الأجندات المتناقضة التي تحاول فرض أولوياتها في الساحة السياسية.