تاريخ النشر: 2022-11-11 | 08:23
تاريخ النشر: 2022-11-11 | 08:23
حين تسأل مقدسياً عن الرئيس الشهيد ياسر عرفات، فإنه يذكر تفاصيل عرفها عن قرب، والجميع يعبرون عن افتقادهم له،فقد كان "أبو عمار" قائدا لم يأت بعده زعيم كما يكررون في مجالسهم الخاصة،في حين لا تخبو الدعوات للكشف عن هوية قاتله، ومن تواطأ على اقتراف جريمة اغتياله.
لقد كان نبي التيه الفلسطيني الذي أضاء النفق بعد نكبة 1948، لكن بعضهم تناسوا أن أبو عمار كان الريشة التي خطت على الخريطة الدولية مكان الشعب الفلسطيني، وجعلت من قضيته نبراسا للمجتمع الدولي لا قضية إنسانية فقط
"أبو عمار تمكن بوطنيته وحنكته من وضع العربة الفلسطينية على السكة الصحيحة، وقد رفض الاستسلام، وأصر على إبقاء البندقية الفلسطينية مرفوعة بوجه الاحتلال لتهدر برصاص الحرية.
أبو عمار آثر الجهاد والاستشهاد على الأسر والاعتقال، وبعضهم تناسى أن أبو عمار أعد الملايين كشهداء للقدس".
ساهم أبو عمار في تعزيز الانتماء الوطني خارج وداخل سجون الاحتلال،إذ لم يكن قائدا وثائرا فحسب، بل كان ملهما لأبناء حركة فتح،وعندما تكون في حضرة الرئيس الشهيد تعيش حالة من الفخر والاعتزاز ممزوجة بدفء علاقة أبوية، فقد كانت لشخصيته هيبة من نوع خاص بعيدة عن الخوف وأقرب إلى الاحترام.
يعتبر الرئيس ياسر عرفات من شخصيات الصراع العربي الإسرائيلي المحورية والتي ارتبط اسمها بالقضية الفلسطينية طوال العقود الخمسة الماضية، ولا يزال عنصرا فاعلا على الساحة السياسية ومحركا رئيسيا لأحداثها.
لم يخرج ياسر عرفات من عشيرة أو قبيلة، ولا من طبقة برجوازية أو ارستقراطية، ولم تدفعه الى الظهور منطقة جهوية، ولا دفعه الى الظهور حزب سياسي، ولم تصنعه قوى تصنع القيادات في لعبة الأمم، وإنما خرج من صفوف البسطاء والفقراء والكادحين والذين شرّدهم الاحتلال والقى بهم في المنافي والشتات.
في ذلك الزمن الذي شبّ فيه وترعرع كان فتى عادياً،يتحلى بالوطنية مثل غيره من الشباب الفلسطيني الذي خرج من جرح النكبة، لكنه كان مبادرا يفكّر بالطريقة نفسها التي يفكّر بها العديد من الشباب الطليعي الذي يسكنه حب وطن ضائع، وشعب مشرد.
كان فتى عادياً حين بادر الى دعم الثوار وجمع السلاح لهم ابّان حرب عام 1948، وكان فتى عاديا حين ذهب للتدريب ورافق المقاومين المصريين عام 1952على جبهة قناة السويس، وكان فتى عاديا عندما بادر الى خوض انتخابات رابطة طلبة فلسطين في القاهرة.
خطاب تاريخي بالأمم المتحدة :
ألقى الزعيم الفلسطيني خطابا تاريخيا هاما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974، أكد فيها أن القضية الفلسطينية تدخل ضمن القضايا العادلة للشعوب التي تعاني من الاستعمار والاضطهاد، واستعرض الممارسات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني،وناشد ممثلي الحكومات والشعوب مساندة الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعودة إلى دياره. وفي ختام كلمته قال "إنني جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي..الحرب تندلع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين".
اليوم 11 نوفمبر يصادف ذكرى وفاة ابو عمار ياسر عرفات 11 نوفمبر 2004 الذي قتلته ايادي الغدر العربية و الصهيونية محاصرا في المقاطعة برام الله بعد رفضه التنازل عن القدس الشريف في مفاوضات كامب دافيد التي عقدها الرئيس الامريكي بيل كلنتون أيام قليلة قبل انتهاء ولايته..
ياسر عرفات بخلاصة هو مؤسس حركة فتح اكبر حركات منظمة التحرير الفلسطينية و هو رئيس دولة فلسطين في موتمر الجزائر في 1988.
الشعب يشبهه :
هذا الشعب الفلسطيني الشامخ بشيبه وشبابه،برجاله ونسائه وأطفاله الذي هبّ في لحظة تهديد لحياته عندما أمهله الجيش ثماني ساعات للاستسلام أو القتل،في تلك الليلة التاريخية هبـّت رام الله بسكّانها من كل أحيائها في مظاهرات سلمية تضامنا ودفاعا عن القائد حمل فيها الجميع الطناجر والملاعق والطبول دون أن يعبأوا بالدبابات التي تغلق الطرق، ووصلت كل التظاهرات في وقت متأخر من الليل الى نقاط تحيط بالمقاطعة، وأذهلت هذه الهبّة الجماهيرية قوات الاحتلال فأطلقت النار بغزارة سقط على اثرها شهداء، وعجزت عن وقف تدفق المزيد من الجماهير الذين صنعوا حزام أمان لياسر عرفات، ونجحوا في افشال الإنذار الإسرائيلي.
كان ياسر عرفات يردد في كثير من المناسبات: الشعب الفلسطيني هو المعلّم الأكبر.. الشعب الفلسطيني أكبر من قياداته.
وكان باب ياسر عرفات مفتوحا أمام كل البسطاء والفقراء وأبناء البلد وأمام كل الشخصيات والنخب والكوادر والأفراد، وكان بابه مفتوحا امام كل أولئك الذين تغلق في وجوههم الأبواب.
ختاما أقول :
اغتالوا الجسد، لكنهم لم يستطيعوا اغتيال الرمز.
ظل ياسر عرفات حاضرا فينا وبيننا، ظل رمزا خالدا نتفيأ ظلال أمجاده ونستنشق عطر مسيرته، ونستبطن قوّة البطولة في بطولة قيمه وسجاياه.
ياسر عرفات الرمز الخالد يتصدر الصفحة المشرقة في تاريخنا، فحياته كانت منذورة بلحظاتها وساعاتها وأيامها وسنينها وعقودها للقضية وللشعب الفلسطيني، لم تكن له حياة خاصة كما للآخرين، فقد كانت حياته سلسلة من المعارك، معارك عسكرية تحت سقف النار، ومعارك سياسية تحت سقف الزمن المديد، وحياة حافلة بالإنجازات ووضع فلسطين في صدارة المشهد والخارطة الدولية، وأوصل عدالتها الى عمق الرأي العام العالمي، والى قلب الأخلاقيات الإنسانية.
من الصعب الإحاطة بحياة ومسيرة هذا القائد العظيم في هذه المساحة المخصصة لهذا المقال، فمسيرته مسيرة شعب يصنع في كل لحظة تاريخا، ودروبه هي دروب الحرية التي سلكها قادة وفدائيون ومثقفون وابناء بلد وشباب مخيمات ونساء وأشبال وزهرات.
في ذكراه العطرة التي تزهر في كل الفصول نردد: العهد هو العهد والقسم هو القسم.
ونردد معه : يا جبل ما يهزك ريح.
ونردد معه : نرى الضوء في نهاية النفق.
ونردد معه : ليس منّا وليس فينا من يفرط بذرة من تراب القدس.
رحل ياسر عرفات بشموخ السنديان،رحل رجل عصره وبطل زمانه. رحل تاركا وديعته وثوابته: عودة، تقرير مصير، دولة مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس.
رحل عرفات تاركا ارثا كفاحيا،وشعبا حيّا،ورفاق درب يكملون المشوار.
رحمه الله و تجاوز عنه.