تاريخ النشر: 2015-11-12 | 08:03
تاريخ النشر: 2015-11-12 | 08:03
أنجزت اليوم أمورا هامة، وأحببت ان أكافئ نفسي بالحديث عن أمي. جميل ان يكافئ المرء نفسه بنفسه فإن بدأ الأمر منك حتما سينتقل للآخرين. على أية حال ها أنا ذا ألتقيك مرة أخرى أمي....
أضحك كثيرا من نفسي حينما أتذكر أني كنت وحتى وقت ليس ببعيد أعتقد أنني بما قد يكون لي من فكر وثقافة وهوى وذوق نتاج تعليمي وقراءاتي وذلك المجتمع الذي تعاملت معه في دراستي أو عملي أو محيط أصدقائي...نعم أضحك من ذلك الوهم الذي كنت اعيشه وأتبناه فقد أدركت وبعد لحظات تأمل كثيرة أن تلك السيدة البسيطة قد شكلت ذوقي وصنعت جانبا كبيرا من فكري وميولي.
فحين كنت صغيرة بنت بضع سنوات استفقت على هذا الجهاز العجيب ذي اللونين الأبيض والأسود الذي يحكي لي حكايات جميلة مسلية. ولكن... كيف لي أن أنفرد به وأتابع حكاياته ورسوماته المتحركة التي كنت انتظرها على نار وجمر؟؟ وتلك أمي لها هي الأخرى لائحة متابعة لبرامج وفقرات ثابتة ولها مع ذلك سطوة وسلطة ديكتاتورية!!!
كانت امي -يرحمها الله-تعشق برامج ملك إسماعيل وسامية الإتربي وحكاياتها وتنتظر هند أبو السعود وجولة الكاميرا ثم فايزة واصف وبرنامجها الأشهر “حياتي" ورتيبة الحفني وموسيقاها العربية ودكتور مصطفى محمود وبرنامجه "العلم والإيمان" وبرنامج الموسوعي حامد جوهر "عالم البحار" ونهاية الأسبوع مع أحمد سمير ثم من بعده محمود سلطان إن لم تخني الذاكرة!!! كنت أشاهد تلك البرامج مضطرة مجبورة وبنصف تركيز في أحيان كثيرة لأنني كنت أتحين وأتربص لأن تقوم أمي لإنجاز أمر ما لأغير المحطة على الفور غير أنها دائما أبدا كانت تعود فتدير المؤشر إلى وجهته السابقة دون أن تنطق بكلمة!!! أما أنا فكنت أعض على أصابعي حتى تعودت شيئا فشيئا تلك اللائحة المفضلة لأمي فاستسلمت على أمل أن أنفرد بالتلفزيون وحدي إذا ما ذهبت أمي لخالاتي أو خرجت لأي سبب.
كنت أصحو في فترة إجازتي الصيفية على صوت فؤاد المهندس "كلمتين وبس" ثم برنامج "إلى ربات البيوت" وبعده "أبله فضيلة" روتين يومي يأتي معه روتين أسبوعي لآمال فهمي وضياء الدين بيبرس ولا مهرب لي إلا التلفزيون إذا ما انشغلت أمي بالراديو وهي تنجز أعمالها اللهم إلا إذا شغلتني معها فكان صوت الراديو يحسم الأمر.
وهكذا تربيت على مختارات لم أنتقيها لكنها بطريقة ما صاغت جزءا كبيرا من ذوقي وثقافتي حتى غدت ملكة الاستماع والانصات عندي راسخة قوية...
كنت ولا زلت أحب القراءة وأعشق الكتب لكني حين أفقت يوما على ضرورة أن يغير الكتاب فينا سلوكا معيبا أو خلقا شريرا كان ذلك على يد أمي حين أغضبتها يوما -والحقيقة أني كثيرا كثيرا كنت أغضبها-فصاحت فيّ قائلة: "هو الكتب اللي بتقريها دي قالتلك تعملي مع أمك كده؟؟؟"!!! أفزعني سؤالها ولكني بجهالة ومكابرة رددت عليها السؤال بما هو أفظع فقلت لها: "وهي إذاعة القرآن الكريم اللي مصدعاني بيها دي قالتلك تعامليني كده؟؟؟"
أرهقت أمي كثيرا !! أعرف ذلك. وهي الأخرى أرهقتني جدا فكانت تعتقد أن الفتاة مرآة بيتها وعنوان أمها فعاملتني حينا ممتدا من الزمن كما لو كانت هي ذلك الحداد بمطرقته الجبارة وإن كان بدافع الحب لي إلا أنها قد أشبعتني ضغطا وصهرا وتعنيفا ولوما لتخرج مني أفضل ما يمكنها!!! وأرجو أن تكون قد نجحت فكم يعز علىّ أن تضيع جهودها.
أمـــــــــــــــــــي ... ينتابني العجب حين تقف ابنتي بجواري وأنا أطهو طعامنا فتسألني معجبة: "من علمك يا أمي ؟؟" فأرد: "أمي". نعم علمتني أمي وإن تفوقت عليها لكنها من وضعت أسسي وأعمدتي... علمتني وإن تمردت على طرقها ومنهجها فكانت أسعد الناس وأكثرهم زهوا بي ودفاعا عني.
نعم دافعت أمي عني كثيرا حتى أضناها ذلك!! ففي مجتمع القرية لا يستوعب الناس أهمية أن تكون لك خصوصية في الفكر خصوصية في الطموح والأهم خصوصية في عيش حياتك وإدارتها... كانت النساء يسألنها دون ملل أين راتبي؟؟ كم ادخرت وكم أعطيها؟؟ إلى أين أسافر كثيرا ؟؟ لم لا اتزوج؟؟ لم قل وزني؟؟!! ناهيك عن محاولاتهن تحريضها ضدي خاصة فيما يخص المال والزواج!! ولكن دون جدوى. بل إنها كانت تتندر معي عليهن ونحن نشرب شاي العصاري في مدخل بيتنا، ثم أجدها تجذبني إليها وتقول: تعالي أرقيك (الرقية هي تحصين الانسان ببعض القرآن والأدعية الموروثة لدفع الشر عنه).
كانت أمي رحمها الله هي من قوت عودي وعزيمتي فكنت إذا بكيت أو اشتكيت أو تململت ربتت على كتفي وقالت لي:"اجمدي..خليك جدعة" فكنت أدعي القوة في أشد لحظات ضعفي...
حين يكبر والديك يتحولان تدريجيا إلى أبنائك فتتبادلان الأدوار ويكون لزاما عليك أن تكون قويا في لحظات ضعفهما...حاسما إذا ما ترددوا...حانيا إذا صعبت عليهم الحياة أو أوجعتهم الظروف...لكنك حتما لن تفعل ذلك مالم تحظ بحبهما في صغرك ويمرسانك على المسؤولية وهو ما فعلته أم وظروف سفر أبي فكنت في المرحلة الثانوية وأقصد البنك لتغيير العملة التي يرسلها لنا أبي في سفره.. كنت لازلت صغيرة حين وجدتني أشتري ملابس العيد لإخوتي ومستلزمات بيتنا وأمسك بالقائمة التي أملتها عليّ أمي...وأحسب معها مصاريف دراستنا وبيتنا وغيرها.
كنت وكل أخوتي نتهم أمي بانحيازها لأحدنا دون البقية فعلي يتهمها بمحاباة محمد وتفضيل إيمان وأنا أتهمها بتبرير كل وأي تصرف لعلي أو بثينة وهكذا كنا ندخلها دوامة الاتهام وهي تدافع عن نفسها مرة وتضحك منا مرات .. وهي الحبيبة لكل واحد فينا وكلنا لديها على درجة واحدة لكننا كنا نتجاذبها بيننا غيرة ومحبة وشغفا بها...يا الله!!! كم عشنا حياة رائعة معك أمي دون حتى أن ندرك مدى روعتها.
أمــــي يطول الحديث عنها دون مبالغة أو ملل .. أمي هي ذلك اللحن العذب الذي لا يفارق وجداني.... رحمك الله حبيبتي