ما حدث من تفجيرات لبيوت عدد من قيادات و كوادر حركة فتح ينبئ بما لا يدع مجالاً للشك بأننا على أبواب جولة جديدة من العنف قد تطال الكثير من أبناء حركة فتح والتنظيمات الفلسطينية , خاصة في ظل انسداد الأفق , وفي ظل رفض إسرائيل الانصياع للتفاهمات الأخيرة بينها وبين حماس في القاهرة في أعقاب الحرب الأخيرة على غزة , لقد بالغت حماس في تصوير مشهد ما بعد الحرب وجندت كل إمكانياتها الإعلامية لتصوير المشهد بأنه انتصار ما قبل التحرير , وأن إسرائيل جاءت للقاهرة وهي تحبو على ركبتيها , في حين أن الحقيقة عكس ذلك , وما تلا ذلك من تفاهمات أثبت أن إسرائيل استطاعت أن تفرض شروطها بدون الرضوخ لمطالب حماس والفصائل الأخرى , فلم تتحقق الرؤية بالميناء ولا فتح المعاير ولا حتى رفع الحصار وإدخال مواد البناء , الأمور بدأت تتعقد أكثر فأكثر خاصة بعد قدوم حكومة دولة رئيس الوزراء رامي الحمد الله لغزة , وما تلاها من مؤتمر إعادة الاعمار , والشروط التي وضعها المانحون للبدء في تنفيذ مشاريع اعمار غزة , لقد تفاءلنا بأن الأمور أصبح منتهية وأننا طوينا صفحة مريرة من تاريخ شعبنا , وأن الانقسام بات وراء ظهورنا , وأن تسليم مقاليد الحكم في غزة لحكومة الوفاق أصبح أمراً قابلاً للتنفيذ , وأن موضوع الموظفين واعتمادهم في طريقه للحل وفق الآلية المتفق عليها في اتفاق الشاطئ , ولكن التطورات الأخيرة يشي بأن هناك شيء ما يدار في الخفاء , وأن اتفاق المصالح بدأ يتهاوى , وأنه لن يصمد طويلاً , فقد تلكأت حماس في تسليم المعابر , ورفضت التخلي عن الحكم , وعملت من خلال ما يعرف بحكومة الظل , وهذا ما دفع حكومة التوافق لعدم صرف رواتب للموظفين , واكتفت بتقديم سلفه مالية للمدنيين لحين حل كافة الأمور العالقة بين الحكومتين , فـ حكومة غزة تدرك تماماً بأن تخليها عن الحكم يعني تهميشها في مشاريع إعادة الاعمار, وبالتالي خسارتها لحصة في الكعكة الكبيرة , وفي مقابل ذلك فإن حكومة التوافق تواجه ضغوطات كبيرة من المجتمع الدولي والمانحين , بأن استبعاد حماس كـ حكومة وتنظيم شرط أساسي للبدء في مشروع الاعمار , وهذا ما لم تتفهمه حماس وبدأت بالصراخ والاتهامات , وبدأت حلقة جديدة من حلقات الردح الإعلامي المتبادل بين طرفي المعادلة فتح وحماس , وبالعودة للتفجيرات فإن مقدمات الحالة السابقة وفي ظل غلق الأنفاق وشح الموارد المالية وعدم قدرة حماس على صرف رواتب موظفيها وتحميل حكومة الوفاق المسئولية , مع بدء نقابة موظفي حماس في غزة الإعلان عن سلسلة من الفعاليات الاحتجاجية والحملات التحريضية عبر وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي الفيس بوك بدأت الأمور تخرج عن مسارها , وبدأت حملات التحريض تأتي أكلها , ولم يعد هناك مجال للغة العقل والمنطق , وانتهز المحرضون الفرصة للانقضاض , وبث سمومهم وأحقادهم وقاموا بعمليات التفجير التي طالت العديد من بيوت أبناء حركة فتح وطالت منصة معدة لإحياء الذكرى في ساحة الكتيبة , ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل بدأ الهمازون اللمازون بتوجيه أقلامهم نحو تيار داخل حركة فتح بأنه وراء التفجيرات وكأن الناس صم بكم عمي لا يفقهون , على أية حال ما حدث يرسل رسالة مرعبة للكل الوطني الفلسطيني وليس لحركة فتح وحدها , بأننا مقبلون على مرحلة قاسية ومريرة قد يدفع الجميع ثمناً لها , ويمكن أن يعصف بالمشروع الوطني الفلسطيني ويحول المنطقة إلى عراق جديد .
إن المغالاة والتشدد والعصبوية والإفراط في استخدام العنف لا يمكن أن يكون سبيلاً لحل الخلافات الداخلية , ولا يمكن أن يؤسس قاعدة لشراكة سياسية , ولفهم وطني يلبي الحد الأدنى من طموحات أبناء شعبنا , بل على العكس تماماً إن من شأن ذلك أن يزرع الكره والبغضاء ويرسخ سياسة الفوضى والدموية ويحرف شعبنا الفلسطيني وقواه الحية عن مواصلة مسيرة النضال والكفاح من أجل تحرير الوطن والمقدسات .
إن الحديث عن مستقبل القضية الوطنية الفلسطينية يتوجب أن يأخذ في اعتباره أن الإنسان بصفته هو أغلى قيمة يتوجب الحفاظ عليها وأن حرف بوصلة العمل من أجل كسر إرادة هذا الإنسان لا يصب إلا في خانة العدو الذي سعى ويسعى جاهداً لتوتير أجواء المصالحة الوطنية , لذا يجب أن تقف كل التنظيمات الوطنية والإسلامية الفلسطينية عند مسئولياتها وأن تعمل الكشف عمن يقف وراء هذه الجريمة النكراء , ويقع على عاتق التنظيمات الفلسطينية غرس قيم الوطن والنضال في نفوس أبناءها ونبذ فكرة الفصائلية التي تؤصل في النفوس الحقد والكراهية , فالإنسان الفلسطيني أمانة في أعناقكم وستسألون يوماً عن غرس أيديكم .