تاريخ النشر: 2023-09-09 | 13:06
تاريخ النشر: 2023-09-09 | 13:06
عنوان الرواية يحمل دلالة حدث ما على الصعيد الزمني والمكاني، فلفظة " المرافعة " تعني أن سلسلة إجراءات معينة يقوم بها محام في المحكمة بتوقيت يتم تحديده مسبقا، والمفردة توحي للمتلقي أن أحد شخوص الرواية لا بد أن يكون محاميا وأنه لا بد من وجود متهم أو عدة متهمين و قاض و ربما شهود كي تكون المرافعة.
يجد المتلقي نفسه مدفوعا بالفضول نحو مهمة تستغرق زمن قراءة النص وصفحاته المائة والثمانية والسبعين لإعادة بناء علاقة من المواءمة بين المتوقع والغير متوقع، وبذا يعتبر العنوان نصا موازيا لمتن الرواية بما يحمله من إيحاءات وأسرار.
ومن جوانب التناسق الحكائي التي تبدت للكاتب، هي عناوين فصول الرواية، ستة فصول لست مرافعات، كل مرافعة تسعى لخلق حالة من التوازي الفني و الموضوعي في الرواية ما يحقق لها تناسقا مع الواقع وعلاقته بالزمان و المكان .
المرافعة الأولى (التكوين)
***********
يتوجه السارد بخطاب المتلقي عبر كلمات تحيل أو تشير إليه فيحضر المتلقي بضمير المتكلم الجمعي ، نحن و ( نا ).
" في الابتدائية عند السادسة من العمر تقريبا هناك أسئلة فطرية نطرحها على الأهل"ص٩.
ذاكرتنا و فهمنا و استيعابنا و آذاننا ... إن استخدام هذه الضمائر تجعل من المتلقي شريكا في الفعل .
يقوم السرد في هذا الفصل بتقديم منظور رؤيوي يعبر عن رؤية السارد لتشكل الذاكرة العامة والخاصة ويذهب إلى ذكريات الطفولة التي هي أصدق الأنباء فيسير بالمتلقي إلى استصفاء مجاري النبع وأسئلة طفولية كثيرة تستفزه ، لترشح الإجابات و تستقر في الذهن واحدة تلو الأخرى.
يغوص بتوئدة بين زمنين " زمن الوعي الفطري البسيط والبريء وزمن الوعي العلمي الوثيق"ص٢١، يصل إلى نضوج الوعي، ويتشكل فكره، يعرف عدوه ويذهب إلى ميادين الفعل الوطني" ، سنصبح معرضين إما للموت أو الاعتقال، لكننا لن ننجو من الوقوع في أحدهما أو كليهما" ص٣٣.
هكذا هو الشعب الفلسطيني يفتح عيونه على الاحتلال وممارساته الإجرامية ويخزن في وعيه الكثير من صور الاعتقالات، والمداهمات والاعتداءات وسرقة أرضه . يقدم الكاتب صورة ذات دلالة رمزية لا بد من الإشارة إليها في هذا الفصل، حين يقارن بين فضائين غير متجانسين بيوت المستوطنات الجديدة المرتبة هندسيا وبيوت قريته الطاعنة في السن و المتحررة من قيود الهندسة، فلها أسبقية التاريخ والتجذر في هذه الأرض.
المرافعة الثانية ( العتمة)
*********
في تمهيد للأحداث اللاحقة يبدأ السرد بوصف ليلة من ليالي شهر شباط، والأحداث هنا تجربة ذاتية السارد، حيث يبدأ بالحديث عن تجربة اعتقاله و مداهمة جنود الاحتلال لبيته وتفتيشه ، في غياب بيانات التثقيف والتوعية بشأن التعرض للاعتقال وما يتبعه من أساليب التحقيق والاحتجاز، ووسائل التعذيب والضغط النفسي يمكن اعتبار هذه الرواية توعوية نوعا ما، يتحدث عن توديع عائلته و وداعهم له، الأصفاد وعصب العينين ، وجوده داخل الدورية وتتبع الطريق المألوفة و تخمينها، والسير لاحقا نحو المجهول، وصولا إلى الزنازين التي وصفها بالقبور القاسية التي لا ترحم ص٤٦.
يقدم الكاتب مثالاً دقيقا متسع الدلالة، وذلك في سياق تأملاته حول ضيق الزنزانة، فيتعاطى أحد التمارين الحسابية في عد فتحات جهاز التبريد.
"وقد تأكدت مرارا ويوميا ومنذ كل لحظة أنها أربع وثلاثون فتحة، ولكني وفي كل مرة أعيد عدها يوسوس لي بأني أخطأت العد، فأنقلب على نفسي وأعيد عدها من اليسار إلى اليمين فتكون النتيجة نفسها..." ص٨٨
العزلة والوحدة في الزنازين هي التي تعطي السجن معناه الحقيقي، وإبقاء السجين فيها أكبر وقت ما هو إلا لتشديد الخناق عليه، وإشعاره باليأس والعجز و الاحباط، فهي بؤرة العتمة وفقدان اليقين، حيث الزمن لا تحكمه معايير زمن الساعة إنما يقاس بالحالة الشعورية.
في التحقيق يتم توجيه التهم وطرح اسئلة تتراوح بين ما هو روتيني وبين ما يحتاج إلى انتقاء الكلمات وذكاء الإجابة، يُرفع مستوى الضغط على الأسير لتقديم اعترافات لتهم يختارها له المحقق فيتصل الليل بالنهار في الجلسة الواحدة، ص٥٧.
ومن ثم تسليمه إلى محقق آخر أكثر عنفا يدعى (عامير) المحقق الشرير. فيستخدم التعذيب الجسدي، ويخضع الأسير لجهاز كشف الكذب، وعند اليوم الأربعين وبعد أن رأى عجائب الزنازين وتشبع بالعتمة، ورائحة عطن الزنزانة وأصفاد السجان يقبل التهمة الموجهة إليه وتلتصق به (التجسس لصالح المقاومة).ص٩١.
المرافعة الثالثة (الوعي)
********
يقدم الكاتب في هذه المرافعة حوارا أيديولوجيا مع كولونيل إسرائيلي، يعرض فيه انتصاره لقضيته وإيمانه بها، وبحق شعبه على هذه الأرض التي هو صاحبها فمن حقه الدفاع عنها وعن وجوده .
يمرر الكاتب خطابات أخرى من خلال الحوار، مثل طبيعة الصراع بين السنة والشيعة ، قدم انتصارا للحق أمام قوى الشر.
وبعد مكوث طويل في العتمة وتقاسمه الوقت معها، يتعرف على نفسه ، يجري حوارا داخليا فلسفيا مع ذاته، يمرر رؤاه ويقلب مفاهيم الأشياء ، فلا الزنزانة ( مكان ) بل لا يصح أن تكون كذلك ولا الزمن زمان ولا يصح أن يعتبر كذلك.
جدال مع النفس حتى تسكت عنه نفسه وتخبره أن لا طاقة لها على احتمال الجدل معه. ص١١٨.
المرافعة الرابعة ( المكوث)
***********
لغة الرواية بشكل عام فصحى بسيطة .
يرد إلى ذهن المتلقي من عنوان هذا الفصل تساؤلات كثيرة، هل هذا هو آخر مطاف الأسير وستكون إقامته هنا؟ كم سيطول هذا المكوث؟ بمن سيلتقي الأسير ومع من سيكون ؟ .
نفسيا يتأهب المتلقي لمجريات هذا المكوث.
في هذا الفصل ترد مفردات وألفاظ يفرضها المكان والبيئة، مثل بوسطة، وقوة النحشون ،و نزلاء، و فرز .وهذه مفردة مستفزة حيث تجعلك تشعر أن الأسرى أشياء يتم تصنيفها كما تعكس عنصرية الاحتلال وكيفية تعامله معهم فهي تؤصل الانقسام وبث سموم الفرقة .
كذلك مفردة الفورة، والدوبير، وغيرها .
تناول السارد في هذا الفصل دور المحامي الذي هو به خبير كونه محاميا وأشار أنه عند محاكم الاحتلال التي هي (محاكم إدانة لا محاكم عدالة )ص١٣٠.لا يتعدى دور المحامي عقد الصفقات، والترجمة.
إذا فالصياغة اللغوية جاءت من قاموس الأجواء والمكان، ونسيج العلاقات بين الأسرى والسجان والمحاكم .
تكاد تخلو الرواية من اللغة الشعرية إلا فيما قدمه من وصف للفتاة التي اختلقها للمحقق، وفي حديثه عن غياب الإبن عن الأم في الاعتقال المؤبد ( لن يشاهد الغزلان تركض في مدى الربيع ولا الاقحوان حين يفتح بابه للشمس...)ص١٤٦.
وقد أظهر الكاتب وعيا لقلة الأحداث وضيق الحيز المكاني، فاعتمد على الحوار في الدرجة الأولى وعلى براعته في تغير المشاهد، فكانت تلك الحوارات مع المحققين والحوار الداخلي مع نفسه، والحوار مع المعتقلين بالاحكام المؤبدة في سجن (جلبوع)، مما عوض عن وفرة الأحداث وكثرة الشخصيات فشد المتلقي بقوة الحوار والتحليل.
المرافعة الخامسة (المؤبد)
*************
المكان هنا هو( السجن) خزان حقيقي للأفكار والمشاعر والتحويلات الداخلية، يتعامل معه القارئ كما يتعامل مع الشخصية فهو الذي اقتضى وجودها والأحداث.
السجن عالم مفارق لعالم الحرية والجدران والأبواب والمفاتيح، ليست كما هي في العرف اليومي، ليست كما هي في البيوت وسائل حماية وشعور بالأمان، إنما هي تهديد وسلب للحرية، وأدوات قهرية يفرضها قانون السجن.
البوابات الإلكترونية وأجهزة المراقبة والإضاءة المفرطه حول السجن، إنما هي للدلالة على حداثة التطور في استخدام التكنولوجيا لزيادة أمن السجن ولضمان الحجز والإلزام، ولا تدل على رفاهية أو ثراء.
العزلة ليست اختيارية للتأمل وطلب الراحة والهدوء، وفي هذه المفارقة وما يملكه الأسير من وعي وصلابة الإرادة، يحول فرصة إقامته في السجن إلى فرصة للاتصال واستكمال تجربته النضالية، فالمكان هنا بؤرة للنضال والتواشج ، وهذا يعطي السجن معنى آخر بدلالة جديدة ، وقد مر علينا من خلال قراءات أخرى عديدة لأدب أسرانا البواسل تؤكد أن السجن مدرسة نضالية تخرج للحياة أشخاصا ذوي خبرة و وعي وطني.
وهنا يشير الكاتب أن السجن يصبح محتملا ومرغوبا لأنه سيتيح الاتصال مع شخصيات المناضلين الذين يستحيل اللقاء بهم خارج حدود هذا المكان.
المرافعة السادسة ( الخروج)
***************
إنه ليس الخروج السهل الذي تودع فيه وتغلق خلفك الأبواب، ويتمثل الخروج هنا بأشكال مختلفة، منها ما كان تحديا للتعقيدات الأمنية وأبراج المراقبة والجدران الشاهقة والأسلاك الشائكة و البوابات الإلكترونية و مهارة السجان و خبرته وعنجهيته، فقد هرب ستة أسرى من السجن بعد أن " شقوا بطن الأرض بأظافرهم وملاعقهم وخرجوا من رحم العتمة إلى الضوء".ص١٦٧
وفي أفق آخر يخرق السجناء مألوفية السجن ويمثل نوعا من أنواع الخروج حصول الأسرى على الهواتف المهربة والاتصال بالعالم الخارجي، فاتصال الأسير بأهله وحديثه مع أولاده واستماعه لأخبارهم يلعب دورا كبيرا في صموده، ويكون بمثابة مصدر للامتلاء العاطفي والتزود بالمشاعر الإنسانية الطافحة، وهذا ما كان من اتصال السارد بأهله وطفليه واستماعه لأغنية ثائرة من بين شفاه طفلته.
والخروج الآخر هو توديع الأسرى لبعضهم البعض ليفرق شملهم و يتشتت جمعهم من بعد الألفة والتآلف و ذلك كنوع من العقاب الجماعي بعد هروب الأسرى الستة من سجن جلبوع، فكانت الدموع تتسلل من الاحداق في هذه اللحظة " قد لا تراك العين لكنك لن تغادر القلب " هذا ما قاله الأسير ابراهيم في وداع الأسير السارد ص١٧٨.
لقد خرق الأبطال (الخزنة) سجن جلبوع كما تلقبه الأجهزة الأمنية الصهيونية، وكسروا هيبتها وهيبة دلالة استحالة فتحها. ومن مفارقات هذا الإسم ودلالته ذات الغصة أن الخزنة لا يودع فيها إلا ما هو ثمين ونادر وما نخشى على ضياعه وفقدانه وأننا لا نجد اغلى وأثمن من أسرانا البواسل لايداعهم في خزنتهم.