يعتبر وزير الإسكان الإسرائيلي "أوري ارئيل" قرار رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ببناء (1500) وحدة استيطانية جديدة في الأراضي الفلسطينية، هو الرد الصهيوني الصحيح على تشكيل وزارة الوفاق الفلسطينية، وما تشكيل الحكومة الفلسطينية سوى ذريعة لاتخاذ هذا القرار، فقد سبق أن أعلنت إسرائيل عن إقامة آلاف الوحدات الاستيطانية، قبل تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، فمشاريع البناء الاستيطاني، مخطط لها ومصادق عليها من قبل حكومة اليمين الإسرائيلي، بانتظار الذرائع للإعلان عنها، ومن يعود إلى الوراء لمتابعة سياسة الاستيطان الإسرائيلية يرى أن مثل هذا الرد والتعبير الصهيوني حدث في الماضي رداً على أحداث ومواقف فلسطينية معارضة لسياسة الاحتلال، فحين كانت تقع عملية من عمليات المقاومة ضد الاحتلال كان يأتي الرد عليها بالإعلان عن مشاريع بناء جديدة، ولكثرة هذه التبريرات، أصبحت إسرائيل ليست بحاجة إلى مزاعم ومبررات، ولنذكر أن "بنيامين نتنياهو" قال أكثر من مرة:" أننا نبني في أرضنا ووطننا وسنستمر في البناء في كل مكان"، أما اليمين الإسرائيلي الذي يشكل الأساس في الحكومة الإسرائيلية التي هي حكومة اليمين والمستوطنين، فإنه يزعم ويتشبث بما يطلق عليه "الوعد الإلهي"، ويرون بحرب 1948، وحرب عام 1967 مرحلتين في الطريق إلى الخلاص، رغم معرفتهم بان هذا الوعد يسلب الفلسطينيين حقوقهم القومية والشرعية، والاستيلاء على أراضيهم وبيوتهم والسكن فيها، ويقولون أن لهم الحق القانوني والأخلاقي، فهل يجوز في القرن الواحد والعشرين، قرن القوانين والحقوق، السيطرة على أراضي الفلسطينيين، لإقامة المستوطنات عليها، وان يكون لهم الحق في نهب أملاك عربية ولا يعترفون بالقرارات الدولية؟ وما قتل رئيس الوزراء "إسحاق رابين" إلا سلسلة في سياستهم التوسعية جراء عقده اتفاق أوسلو، ويتجاهلون أن قرار التقسيم رقم (181) الذي أقيمت دولة إسرائيل على أساسه، أعطى للفلسطينيين إقامة دولتهم على نحو 47% من مساحة فلسطين التاريخية، فقد احتلت إسرائيل الأراضي المخصصة للفلسطينيين، وما يطالب به الفلسطينيون دولة على 22% فقط من مساحة فلسطين، فإسرائيل غير متصلة بالواقع السياسي والأجواء الدولية، بل تعتبر أن كل الأراضي الفلسطينية ملكاً لها، ووفقاً لهذا تجسد إسرائيل سياستها الاحتلالية الاستيطانية التوسعية.
إن الضجة الإسرائيلية المفتعلة، والجدل في تصديها لحكومة الوفاق الوطني الفلسطيني، الذي أدى إلى اتساع هوة الخلاف بينها وبين الولايات المتحدة يكاد يكون الأول من نوعه، فقرار واشنطن العمل مع حكومة التوافق الفلسطيني الجديدة فور تشكيلها وإعلانها، وتقديم المساعدة المالية للسلطة الفلسطينية، دفع "نتنياهو" وعدداً من وزرائه للتعبير عن غضبهم من الموقف الأميركي، معلنين أن الحكومة الإسرائيلية تشعر بخيبة أمل من الاعتراف الأميركي، الذي سيليه اعترافاً دولياً بحكومة "رامي الحمد الله" الجديدة.
"نتنياهو"-حسب المعلق السياسي للإذاعة العبرية- يشعر بالخيانة والخداع الأميركي، والطعنة بالظهر، أما المعلق في جريدة "هآرتس"، فقد اعتبر أن الحكومة الإسرائيلية سقطت في "الفخ" الذي نصبه الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" لدق إسفين بين إسرائيل والولايات المتحدة، وإبقاء التوتر بينهما قائماً، هذه العلاقات التي شهدت فتوراً من الرئيس "باراك أوباما" مع إسرائيل، والتي وصفت بالعلاقات الباردة، في الوقت الذي وجهت فيه إسرائيل الاتهامات لوزير الخارجية الأميركي "جون كيري" بأنه منحاز للجانب الفلسطيني، بعد تحميله إسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات علناً.
"نتنياهو" لم يُخف قلقه البالغ من قرار واشنطن العمل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة، فقد أهاب بدول العالم لعدم إجراء اتصالات مع الحكومة الفلسطينية، في مغالطة مقصودة، بأن حماس جزء منها، معترضاً على المصالحة بين حركتي فتح وحماس، لكنه يتجاهل أن عدداً من وزرائه إرهابيون ومتطرفون وفاشيون، مع أن الحكومة الفلسطينية الجديدة، لا تشمل أي وزير من حماس، ولا من الفصائل الأخرى، لكنه يفتعل المشاكل، ليتهرب من دفع استحقاقات السلام، بل يغلق جميع أبواب السلام، وما اتهامه بأن الأميركيين والأوروبيين يدعمون لأول مرة الإرهاب، إلا دلالة على مدى الإفلاس السياسي الذي وصل إليه.
وزير الخارجية "كيري" في رده على إسرائيل، قال: "إن الإدارة الأميركية ستقف إلى جانب الحكومة الفلسطينية الجديدة، نظراً لأن هذا هو الأمر الصواب الذي يجب فعله، وبناء على المعلومات التي نعرفها، لا وجود-في حكومة التوافق- لوزراء يرتبطون بحماس، وسنقوم بتقييمها يوماً بعد يوم، كي نتأكد أنها تفي بجميع تعهداتها"، ومع ذلك اعتبر "نتنياهو" الموقف الأميركي بمثابة خيانة أميركية، فإسرائيل لم تتوقع الاعتراف الأميركي بالحكومة الفلسطينية بعد ساعات معدودة من الإعلان عن تشكيلها، لكن إسرائيل لم تستسلم، فهي ستطلب من الكونغرس الأميركي بتشريع قانون يمنع تزويد السلطة الفلسطينية بالمساعدات المالية، وستحرك لوبياتها في الولايات المتحدة للضغط على الإدارة الأميركية لتغيير توجهاتها تجاه الفلسطينيين، مستمرة باتهام الحكومة الفلسطينية بالإرهاب، وهذه مغالطات فشلت في تسويقها بين دول العالم.
"نتنياهو" يعيش حالة من فقدان الرؤيا، وقلق جداً من الموقف الأميركي، ففي اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون الأمنية، لم يتخذ المجلس قراراً بعدم الاعتراف بالحكومة الفلسطينية الجديدة، ولم يتقرر مقاطعة أعضائها، ولم تجمد تماماً العلاقات مع الرئيس الفلسطيني، ما يدل على حالة من التخبط، قد يكون ذلك لإبقاء هامش للتراجع أو ناجم عن الموقف الأميركي والاعترافات الدولية بالحكومة الفلسطينية الجديدة، من جهة أخرى فإن "نتنياهو" يخشى أمنياً من انهيار السلطة الفلسطينية ومن ردود الفعل الدولية، لكن "نتنياهو" يتابع حملة التشويه ضد الرئيس الفلسطيني، والتي فشلت مع موجة الاعترافات الدولية بالحكومة الفلسطينية الجديدة التي تتوالى تباعاً، فإضافة لأميركا أعرب الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين، والأمم المتحدة، وآخرون، عن استعدادهم للتعامل مع الحكومة الجديدة، وحسب المحلل السياسي لجريدة هآرتس "5-6-2014" "براك ربيد" الذي كتب في مقال له:"انهيار سياسي لإسرائيل" ففي كتاب "نتنياهو" الأكثر شيوعاً "مكان تحت الشمش" الذي ترجم بعدة لغات، يعبر عن برنامجه السياسي، يقول فيه: من المحظور اشتراط السياسة الإسرائيلية، بموافقة عربية، وأن إقامة دولة فلسطينية، تشكل الخطر الوجودي الأكبر على دولة إسرائيل"، وبعد كل هذه الحقائق، تبقى جميع المبررات والإدعاءات الإسرائيلية كذباً وخداعاً.
من جهة أخرى هناك انتقادات إسرائيلية شديدة من موقف الحكومة الإسرائيلية سواء بالنسبة للاستيطان، أو لعدم الاعتراف بالحكومة الفلسطينية الجديدة، فزعيم المعارضة الإسرائيلية "إسحاق هرتسوغ" أعرب عن إحباطه الشديد جراء قرار بناء (1500) وحدة استيطانية كما أن رئيسة حزب ميرتس "زهافا غلؤون"، اعتبرت قرار البناء بالاستفزازي، ودعت رئيس الحكومة لتجميده، وقالت:" ألا يكفينا الانهيار السياسي وحالة العزلة الدولية؟"، أما نائب الكنيست "عوفر شيلح" من حزب "يوجد مستقبل"، فقد وصف قرار البناء ليس فقط استفزازاً، بل أنه جاء لتخريب مساعي التسوية وتخريب فرص السلام، وقال نائب الكنيست "نحمان شاي" من حزب العمل:" إن سياسة الحكومة تدهور إسرائيل خطوة بعد أخرى على الصعيد الدولي، وتوسع دائرة عزلتها، فقد فشلت الحكومة فشلاً ذريعاً في إدارة سياستها الخارجية"، فيما أثنى نواب من حزب الليكود، والأحزاب اليمينية على القرار، ووجهوا الدعوة للحكومة لإزالة جميع القيود عن البناء الاستيطاني في كل مكان، "وإذا توقفنا فسنكون سذجاً"، أما السفير الأميركي في إسرائيل "دان شبيرا"، وهو يهودي، فقد أدان القرار وجميع الخطط الاستيطانية في الضفة والقدس الشرقية، وقال أن هذا هو الموقف الأميركي الرسمي مع أو دون إقامة حكومة التوافق.
وأخيراً ... فإن إسرائيل حسب جريدة "هآرتس 4-6-2014"، اعتماداً على خبرائها تتوقع عدم صمود المصالحة بين فتح وحماس، وإسرائيل ترفض جميع الاحتجاجات والتنديدات الدولية التي تطالبها بتجميد الاستيطان، وتضرب عرض الحائط بجميع الاحتجاجات، وإذا كانت هذه الدول- خاصة ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن- جادة في احتجاجاتها، والتي تتعرض للإهانة وعدم الاكتراث من قبل إسرائيل، عليها تسهيل اتخاذ قرار ضد الاستيطان في مجلس الأمن وفقاً للبند السابع، وإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بالنسبة للفلسطينيين، وتنكرها للحقوق الفلسطينية حيث تعتبر أرض فلسطين ملكاً بلا منازع للشعب اليهودي، وخداعها فهل أنه قبل المصالحة الفلسطينية كان الموقف الإسرائيلي مختلفاً؟