يردد البعض هذه الأيام أحاديث متباينة حول وجود ترتيب ما تضطلع به أطراف داخلية وخارجية من أجل التدخل للمصالحة بين السلطة الحالية والإخوان. ويرى هؤلاء أن ثمة ضرورة فى إنفاذ هذه الخطوة، لتحقيق الاستقرار المطلوب اللازم لترميم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن مصر بحاجة إلى ذلك حتى تستطيع أن تحرك الاقتصاد الراكد، وتعيد تدوير عجلة السياسة، وتخرج من حالة الاستقطاب الحاد التى لم تزل تتسكع فى جنباتها على مدار العامين الماضيين، يضاف إلى ذلك الاستجابة لرغبة بعض الأصدقاء الإقليميين والدوليين فى الدخول فى هذه المصالحة. ذلك هو السند، وتلك هى المستندات التى يقدمها البعض، حين يذهبون إلى أن المصالحة تمثل خطوة تمليها «الضرورة»، ولكن هل كل ضرورى -على المستوى النظرى- يمكن تحقيقه فى الواقع؟
تبدو المصالحة ضرورة -كما يذهب البعض- لكنها غير ممكنة، أو قل إن طريق الوصول إليها «مقطوع»، فالسلطة تريد من الإخوان التراجع عن كل مطالبها، والتخلى عن العنف والإرهاب، ومحاولاتها النيل من مؤسسات الدولة المصرية بهدف إحراج النظام أمام شعبه، وهى مقتنعة أشد الاقتناع بأن محاولات الإخوان فى هذا الاتجاه لن تغير فى الواقع شيئاً، بل إنها مفيدة لها: أولاً من زاوية مراكمة المزيد من الكراهية والرفض الشعبى للجماعة، وثانياً من زاوية استغلال العمليات الإرهابية التى ترعاها الجماعة أو تفرح بها، واستثمارها كورقة تدفع الشعب إلى المزيد من الالتصاق والتمسك بالحكم الحالى. هذا فيما يخص السلطة، أما فيما يخص الجماعة، فإن السير فى سكة المصالحة يعنى وضعها على الطريق السريع إلى التفكك الكامل، لأن الكوادر الشبابية بها على وجه التحديد تختزن بداخلها الكثير من مشاعر الغضب، والرغبة العارمة فى الثأر، جراء الإجراءات التى اتخذتها السلطة نحوها، وإذا أضفت إلى ذلك أن الضربة التى تعرضت لها الجماعة خلال السنتين الأخيرتين استطاعت أن تزلزل كيانها، وترج تنظيمها رجاً عنيفاً، فسوف تخلص إلى أن سير الجماعة فى طريق المصالحة يعنى تفككها بشكل كامل. فى ظل هذه الأجواء تصبح المصالحة مستحيلة إلى حد كبير، وتجعل أى حديث عنها مجرد طرح نظرى، يتخلى صاحبه عن التحليل الدقيق لمعطيات الواقع.
كلا الطرفين الآن يراهن على عنصر الزمن، السلطة ترى أن الجماعة ستتحول بمرور الوقت إلى حاوٍ مفلس، عاجز عن الإتيان بأى ألعاب جديدة، وسينتهى به المطاف إلى أن يأكل بعضه بعضاً، خصوصاً فى ظل استغراق الداعمين الإقليميين والدوليين له فى العديد من المشكلات، أما الإخوان فيراهنون على أن مواصلة حرب الاستنزاف التى يخوضونها ضد النظام ستؤدى فى النهاية إلى دفع الشعب إلى الخروج عليه. ربما كان رهان السلطة على الزمن أكثر وجاهة، خصوصاً إذا تمكنت من إنجاز خطوات فى التنمية وإصلاح الأوضاع المعيشية للمواطن بصورة تؤدى إلى المزيد من التشبث بها، فذلك هو «الكارت الوحيد» القادر على إضعاف الرهان الإخوانى. معادلة الإصلاح والتنمية هى السلاح الحقيقى الذى ينبغى أن تتسلح به السلطة فى مواجهة خصومها، لأنه ببساطة السلاح الذى سيدفع جموع الشعب إلى الانحياز إليها.
عن الوطن المصرية