لعله قد آن الأوان للمبادرة إلى السؤال هل انتهى الحزب الشيوعي اللبناني؟ فالسؤال الذي يبدو افتراء أو تشاؤما أو إزعاجا تراه طالعا من واقع الحزب وما آل إليه، ومن فحص نبضه الفكري والسياسي.. والتنظيمي أيضا.
فمن حق الشيوعيين، وغيرهم، التشكّل في جماعات وأحزاب، غير أن الحق الديمقراطي وحده لا يمنح التشكّل شرعيّة كاملة، ولا سيما أن ذاك الحق ممنوح من الآخرين، ولجميع الآخرين على حد سواء.
والأحزاب كي تكتسب شرعيتها الديمقراطية عليها أن تقدم للآخرين، وأمامهم، فكرا وسياسة. وإلاّ كانت جماعات فحسب، تختلف عن الآخرين، تهادن تارة وتحارب في أخرى.
وأنا كمواطن في هذه البلاد لا أشعر، سياسياً وفكرياً، بوجود للحزب الشيوعي اللبناني. أسمع، فحسب، أصواتا من ضجيجه الداخلي، أصواتا تخرج منه مع رائحة الأمعاء الجائعة منذ حين، وتأكل نفسها منذ حين.
لا أشعر به، أنا كمواطن وهو كحزب سياسي، منذ حين. أعرف أن في الكلام هذا قسوة، وأعرف أن في حال الحزب قسوة تفوق قسوة الكلام.
فلست من الجزارين المتكاثرين حول الذبيحة. إن لم أكن من الذبيحة. ولا أحب هذا الدور ولا أدبه: أدب الذبيحة.
لا أشعر، كمواطن، بوجود الحزب الشيوعي، وأتضرر من ذلك. متضرر، كديمقراطي، من أن أحد أعرق الأحزاب اللبنانية لا تصدر عنه سوى إشارات "أزمة" العمل الحزبي والديمقراطي، وعلامات احتضار مؤسسة تاريخ وأجيال وتضحيات وطنية واجتماعية وإنسانية، وإنذار بسقوط رافعة من رافعات قوى الديمقراطية والحرية والعدالة.
لا أشعر بوجود للحزب الشيوعي اللبناني إنما أشعر بفراغه. بالفراغ الذي يحدثه وهو يضمر. وقد سدّ ضجيجه أذنيه. وقد فقد حواسه كلها تقريبا. أخذته غريزة قتال الذات وقتلها بعدما حطّم مرآة نفسه بنفسه.
وقد صرنا نقول: كان حزبا، وكان ثمة سياسة في كلامه وفي خطابه وفي كيانه وفي صورته، كان ثمة معنى إنسانياً، وثمة تاريخ، وثمة هدف. ولا أشعر الآن بشيء من ذلك، بل أن البلد كله لا يشعر بشيء من ذلك.. ولعل الحزب نفسه لا يشعر بشيء من ذلك. وهو يتقاتل ليس لشيء من ذلك، ولا بوحي شيء من ذلك.
مهرجان أشبه بحلقة تعذيب الذات وجلدها، أشبه بطقس جماعي للثأر من ذات الجماعة ومن ذات الفرد على حد سواء، وليس من هدف سوى الحفاظ على صورة جسد الجماعة كما كان، أو كما يُشتهى أن يكون، بعد طرد الشيطان أو أثره. ولهذا نسمع ببطولات جماعية تخوض حروبا في داخله. حروب لا أفق لها سوى الضحية.
وقد استنفدت التسوية بين المتناقضات والمتناقضين طرقها وطرائقها، استنفدت عمرا كاملا وحزبا بمجمله. كانت التسوية محققة في ظل الاتحاد السوفياتي وبرعايته، أما اليوم فصار مستحيلا أن يكون الشيوعي والديمقراطي، المتماهي مع الهوية الشيوعية والمنتسب إلى حزب سياسي (ماركسي) الإيديولوجي والسياسي، الثوري (البروليتاري) والإصلاحي.. وغيرها من الثنائيات، في حزب واحد، فقد كانت مصلحة الاتحاد السوفياتي "صهر" تلك الثنائيات..
وتحقق له ذلك: الايديولوجيا الماركسية اللينينية خطاب الهوية وبوتقتها من جهة، والعمل السياسي للفوز بالسلطة أو بجزء منها سلوك تبرره "المرحلة التاريخية" والظروف السياسية من جهة ثانية، وهكذا ضمن الشيوعيون، ومعهم الاتحاد السوفياتي، الجنة والنار، الايديولوجيا والسياسة، النظرية والممارسة، الغاية والوسيلة في آن واحد. وشيئا فشيئا صارت الماركسية هوية طائفة فحسب.
فذاك ما يفسر إحساس أصحاب الهوية الشيوعية بأن الحزب ملك لهم. وفي الوقت نفسه يفسر بقاء الذين يعتقدون أن الحزب الشيوعي حزبا "وطنيا ديمقراطيا" داخل الحزب.
وقد غاب عن الطرفين أنهما في حاجة إلى ما يبرر وحدتهما. واستعاضا عن تلك الحاجة باعتبار أنهما كانا سويا وعليهما إيجاد صيغة تبقيهما سويا.
وقد فشل الأمر، لأن وجودهما سويا لا يقتصر على إيجاد صيغة "تنظيمية" تحفظ التنوع وحق الاختلاف والتيارات، ولا سيما أن الانقسام داخل الحزب أعقد من ذلك. كأن تجد حزبيين في قرية عيترون الجنوبية، مثلا، معارضين للقيادة الحالية المصنفة تحت خانة "المحافظين" لمجرد أن الدكتور أحمد مراد ابن بلدتهم على خلاف مع القيادة الحالية.. علما أن الحزبيين أولئك، في عيترون، هم من "المحافظين" في الانتماء إلى الشيوعية، تماما مثل أبناء قرية حولا الذين ينحازون إلى سعد الله مزرعاني لمجرد انه ابن بلدتهم، من دون أن يكون في ذلك حوار مع سعد الله مزرعاني وأفكاره وسياسته.
فليس مشهد الانقسام، أو الانقسامات، داخل الحزب واضحا وبيانيا. إنما الأمور متداخلة ويتشابك فيها الشخصي مع العائلي مع المناطقي.
وليس غريبا أن يغيب الحوار عن مشهد الانقسام، وقد عبّر أمينه العام فاروق دحروج بصراحة عن ذلك، وليس غريبا أن يُختزل السجال بأسماء الأشخاص وبأعداد التيارات والأصوات. فالاصطفافات داخل الحزب بحيثيات غير فكرية أو سياسية..
ولا تتجه الاصطفافات تلك إلى إنتاج خطابات فكرية أو سياسية، ولو كان الانشقاق مصيرا محتوما. فالحزب الشيوعي إذا ما خرج، أو أُخرج، منه الذين يطلقون على أنفسهم أسماء شتى، من مثل "التغييريون" او "الاصلاحيون الديمقراطيون"، لن ينتج خطابا وممارسة يختلفان عما أنتجهما في العقود السابقة.
وفي المقابل يبدو ان "الإصلاحيين الديمقراطيين" عاجزين عن إنتاج البديل، فكريا وسياسيا وتنظيميا.. فكل من المنقسمين والمتقاسمين أقل من حزب، إن لم يكن أقل من تيار في حزب، إذ لم يبادر أي من أولئك، بما في ذلك القيادة الحالية، إلى بلورة خطاب فكري وسياسي وتنظيمي بمستوى حزب او تيار. فالتغييريون لم يثبتوا، فكريا وعمليا، انهم ديمقراطيون وإصلاحيون، كما يزعمون. والطرف الآخر لم يحافظ، كما في الخطاب كذلك في الممارسة، على الحزب وأيديولوجيته وسياسته وقيمه، ولا سيما التنظيمية منها... والانشقاق لن يؤتي ثمارا أفضل مما زُرع وحُصد في الانتخابات النيابية السابقة.
فهل انتهى الحزب الشيوعي اللبناني؟ سؤال برسم الأيام.. وعلى الشيوعيين أنفسهم الإجابة عنه لأنفسهم قبل الآخرين.
عن السفير اللبنانية