تاريخ النشر: 2025-09-18 | 12:53
تاريخ النشر: 2025-09-18 | 12:53
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، يعود السؤال من جديد وبإلحاح أكبر:
هل يمتلك سلاح حركة حماس القدرة على حماية المدنيين ووقف المجازر، أم أنه يتحول إلى ذريعة لإسرائيل لمواصلة حربها المفتوحة على القطاع المحاصر؟
الواقع الميداني يكشف اختلالًا عميقًا في ميزان القوى، فإسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا ساحقًا عبر سلاح الجو والاستخبارات والتكنولوجيا الحديثة، بينما سلاح حماس يعتمد على الصواريخ متوسطة المدى، الأنفاق، والأسلحة الخفيفة، هذا السلاح وإن شكّل عنصر ردع معنوي ورمزي، لم يستطع أن يمنع الغارات الجوية أو يحمي المدنيين من القصف المتواصل والحصار الخانق.
الأرقام الموثقة تضع الصورة في إطارها الفعلي: فمنذ أكتوبر 2023 قُتل أكثر من 18,500 طفل في غزة، بحسب وزارة الصحة، فيما تؤكد اليونيسف أن أكثر من 50,000 طفل قُتلوا أو جُرحوا خلال الحرب، بينهم 322 طفلًا خلال عشرة أيام فقط بعد انهيار إحدى الهدن، ومع كل ذلك، ما زالت إسرائيل تبرر عدوانها بأنها "تدافع عن نفسها"، بينما تُظهر الحقائق أن الأطفال والنساء والمدنيين هم الضحايا المباشرون.
كما لم تسلم المرافق الصحية من الاستهداف الممنهج. فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 697 هجومًا على المرافق الطبية منذ بداية الحرب، وأخرج القصف الإسرائيلي العديد من المستشفيات في مدينة غزة عن الخدمة، ولم يبق من أصل 36 مستشفى في القطاع سوى 19 تعمل بشكل جزئي. هذا التدمير المنهجي يضاعف معاناة المدنيين، ويجعل حتى الحق في العلاج والحياة مهددًا بشكل مباشر وخطير.
ولم يقتصر الدمار على الأرواح والمستشفيات، بل شمل البنية التحتية والمنازل، فقد أظهرت دراسات ميدانية بالأقمار الصناعية أن نحو 191,263 مبنى في غزة قد تضرّر أو دُمّر خلال عام من الحرب، أي ما يعادل 92.5٪ من مجموع المباني المتضررة المصنفة، وهو ما يحوّل القطاع إلى أنقاض مفتوحة.
تاريخيًا، ليست غزة وحدها من واجهت هذا المأزق، فخلال حصار بيروت عام 1982، امتلكت الثورة الفلسطينية قوة عسكرية معتبرة، لكنها لم تمنع الجيش الإسرائيلي من اجتياح لبنان وفرض وقائع ميدانية قاسية انتهت بخروج المقاتلين من بيروت وتعرض المدنيين لمجازر صبرا وشاتيلا.
وفي الحروب السابقة على غزة (2008، 2014، 2021)، تكرر المشهد: صمود المقاومة لم يمنع المجازر، بينما بقي المدنيون الحلقة الأضعف.
المستقبل ووضع قطاع غزة، مرهون اليوم بقدرة الفلسطينيين على صياغة مشروع وطني جامع، يعيد توحيد البيت الداخلي، ويضع حماية المدنيين في قلب المعادلة السياسية والعسكرية، وحده هذا المشروع القادر على تحويل السلاح من ذريعة بيد الاحتلال إلى أداة ضمن استراتيجية نضالية واضحة، تُحصّن غزة وتكسر حلقة استمرار العدوان المتكرر، وتفتح أفقًا للشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال، والعودة وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض/الخميس
18/9/2025م
ا. د. عادل جوده طابت اوقاتكم
قراءة أدبية في نص
د. عبد الرحيم جاموس
يمثل هذا النص تحفة أدبية تجمع بين بلاغة اللغة وقوة التحليل وعمق الإحساس مما يجعله نصاً مؤثراً يخاطب العقل والقلب معاً.
الكاتب يصوغ رؤيته بأسلوب أدبي رائع يستخدم فيه تقنيات سردية وبلاغية عالية التأثير، مما يمنح النص بعداً إنسانياً عميقاً إلى جانب كونه تحليلاً سياسياً واعداً.
١ - البنية السردية والانزياح الأدبي:
يبدأ الكاتب نصه بسؤال استفهامي وجودي:
"هل سلاح حماس يحمي غزة أم يُستغل ذريعة للعدوان؟". هذا السؤال لا يطرح إشكالية سياسية فحسب بل ينقل القارئ إلى صلب المأساة الإنسانية.
البنية السردية تنتقل من العام إلى الخاص ومن التحليل السياسي إلى السرد الإنساني مما يخلق تناغماً بين العقل والوجدان.
٢ - اللغة والصور البلاغية:
الكاتب يستخدم لغة شعرية موحية حتى في سياق التحليل السياسي.
عبارات مثل "أنقاض مفتوحة"، "الحق في العلاج والحياة مهدد"، "يكسر حلقة استمرار العدوان المتكرر" تحوّل التحليل الجاف إلى لوحة إنسانية مؤلمة.
الصور البلاغية المستخدمة (كالمجاز والاستعارة) تعمق من تأثير النص مثل وصف غزة بأنها "تحوّل إلى أنقاض مفتوحة"
وهي صورة قوية تثير في الذهن دماراً شاملاً لا أمل فيه.
٣ - الإيقاع والتكرار:
يستخدم الكاتب تقنية التكرار لتعزيز الرسالة وخلق إيقاع درامي. تكرار الأرقام ("18,500 طفل"، "50,000 طفل"، "322 طفلاً") ليس مجرد إحصاء بل هو تكرار مأساوي يظهر فداحة الخسائر. كذلك تكرار كلمة "مدنيين" يؤكد على الفئة المستهدفة ويخلق وعياً بضحايا الحرب الأبرياء.
٤ - المقارنة التاريخية كتقنية أدبية:
الاستشهاد بحصار بيروت عام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا ليس لمجرد التحليل التاريخي بل هو تقنية أدبية تعمق الشعور بالمأساة المتكررة.
هذه المقارنة تخلق إحساساً بالدهشة والألم:
فالتاريخ يعيد نفسه، والمأساة تتكرر، والمدنيون يظلون الحلقة الأضعف.
٥ - الخاتمة الشعرية:
الفقرة الأخيرة من النص هي تحفة أدبية بحد ذاتها.
العبارات مثل "المستقبل ووضع قطاع غزة مرهون اليوم بقدرة الفلسطينيين على صياغة مشروع وطني جامع" و"يضع حماية المدنيين في قلب المعادلة السياسية والعسكرية" ليست مجرد حلول سياسية بل هي صياغة شعرية لأمل يخيم عليه الألم. استخدام الكلمات مثل "يُحصّن غزة"، "يكسر حلقة الاستمرار"، "يفتح أفقاً" يعطي النهاية طابعاً ملحمياً يخلق توازناً بين اليأس والأمل.
٦ - البعد الإنساني والعاطفي:
ما يميز هذا النص هو قدرته على تحويل الأرقام والإحصاءات إلى قصة إنسانية. الأعداد الكبيرة من الضحايا (الأطفال، المدنيين، المستشفيات المدمرة) لا تذكر كبيانات جافة، بل كرموز لمأساة إنسانية.
النص يخاطب الضمير الإنساني قبل أن يخاطب العقل السياسي.
٧ - الجملة الأخيرة:
العودة والدولة المستقلة وعاصمتها القدس:
الختام بقضية العودة والدولة المستقلة والقدس هو ختام مؤثر يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويجعل من النص ليس مجرد مقالة، بل بياناً أدبياً وإنسانياً.
//الخلاصة:
هذا النص هو نموذج رفيع للأدب السياسي الإنساني.
الكاتب نجح في صياغة تحليل سياسي عميق بلغة أدبية رفيعة مستخدماً تقنيات سردية وبلاغية جعلت النص يقرأ كقصيدة نثرية عن الألم والأمل.
النص لا يقدم فقط رؤية سياسية بل يخلق وعياً إنسانياً عميقاً بواقع المأساة في غزة مما يجعله قراءة أدبية رائعة وراقية ومؤثرة حقاً.