المفترض أنْ يعود وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى المنطقة في وقت لاحق من هذا الشهر ومعه صيغة نهائية لإتفاقية الإطار التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة والتي ورغم كل ما قيل عنها وحولها فإنها لا تزال مجرد تكهنات مبنية ومستندة إلى تسريبات ربما تكون مقصودة ،والمؤكد أنها مقصودة، إن من قبل الصحف وبعض الأوساط الإسرائيلية وإن من قبل مارتن إنديك صاحب الشهرة الواسعة في الإنحياز حتى إلى أقصى اليمين الإسرائيلي.
والمتوقع أن أصعب ما قد يتضمنه «إطار» كيري هو الضغط على (أبو مازن) للإعتراف بدولة قومية يهودية للإسرائيليين غير معروفة الحدود وهو الحديث عن إجراءات أمنية على الشريط الغربي لنهر الأردن تشكل الموافقة عليها تسليماً بالإحتلال الإسرائيلي مع بعض التحسينات الديكورية وهو أيضاً الحديث عن عاصمة فلسطين (في القدس) وليس في القدس العربية الشرقية وعن دولة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 ولكن بدون تحديد فترة زمنية لإستكمال قيام هذه الدولة ثم وفوق هذا كله فإن هناك موضوع حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي تطرح بشأنه اجتهادات متعارضة كثيرة.
وحسب بعض المعلومات فإن كيري سيأتي هذه المرة بـ»إطار» ليس للتفاوض والأخذ والعطاء وإنما إمَّا للقبول أو الرفض وهذا سيضع القيادة الفلسطينية التي تخوض الآن معركة ،ربما هي أصعب من معركة حصار بيروت في عام 1982، أمام خيارين قاسيين سيكون أيٌّ منهما بمثابة إنتحار مؤكد إذ أنَّ الرفض سيؤدي إلى مواجهة مكشوفة مع الولايات المتحدة والغرب كله في حين أن القبول سيعطي الإسرائيليين فوزاً مجانياً يخرجهم من مأزقهم الحالي.
ولعل ما قد يجنب القيادة الفلسطينية أياً من هذين الخيارين ،اللذين كلُّ واحد منهما أصعب من الآخر، هو أنْ يبادر العرب، الذين لا يزال الهمُّ الفلسطيني يشكل همَّاً رئيسياً لهم رغم كثرة همومهم، وبتفاهم مع الأوروبيين إلى إلغاء فكرة «الإطار» كلها.. والبدء بالمفاوضات الرئيسية بعد الإتفاق على تمديد مهلة التسعة شهور يتم الإتفاق بشأنها بين الفلسطينيين والإسرائيليين والولايات المتحدة.
والمقصود هنا هو تجنيب الفلسطينيين كل هذه الضغوطات الجائرة التي تمارَس عليهم من قبل الولايات المتحدة تحديداً بينما العرب ومعهم العالم بأسره ينشغلون بكل ما يجري في هذه المنطقة الملتهبة وفي مقدمته الأزمة السورية التي تستنزف الإهتمام الدولي والعربي كله وكل هذا بالإضافة إلى الأزمة العراقية ،التي لا تقل خطورة عن الأزمة السورية، وبالإضافة إلى الأزمة اليمنية والأزمة المصرية.. والأزمة الليبية والأزمة التونسية.. والأزمات النائمة المتعددة والكثيرة.
وهنا فإن الإحتمال الأخطر ،الذي ربما أن الأميركيين لا يدركونه والذي لا يريد الإسرائيليون الإعتراف به، هو أن الضغط الزائد عن اللزوم على القيادة الفلسطينية ،منظمة التحرير والسلطة الوطنية، قد يؤدي وهو سيؤدي بكل تأكيد إلى إضعافها أو إنهيارها وهذا سيفتح المجال واسعاً للتنظيمات الإرهابية التي بعضها عبارة عن خلايا نائمة في الضفة الغربية وخلايا جاهزة في قطاع غزة لتملأ الفراغ وعندها، وهذا ليس محتملاً وفقط بل ومؤكداً، فإن هذا الذي نشاهده في سيناء وفي مصر كلها وفي العراق وفي اليمن وفي لبنان.. وفي سوريا سينتقل إلى أريحا ورام الله ونابلس وبيت لحم والخليل وإلى الناصرة والجليل وحيفا ويافا وتل أبيب والقدس.. ولذلك فإنه على الولايات المتحدة أن تعرف وتدرك أنه إذا عاد كيري بـ»إطاره» هذا ليس للنقاش والتفاوض وإنما للرفض أو القبول فإنه سيفتح أبواباً مغلقة وإنه لن يستطيع المجيء مرة أخرى إلاَّ على ظهر دبابة أو حاملة طائرات أميركية.
عن الرأي الاردنية