تنص الفقرة الثالثة من المادة السادسة من الدستور الأميركي على أنه «لا يجوز أبداً اشتراط معيار ديني كمؤهل لتولي أي منصب رسمي أو مسؤولية عامة في الولايات المتحدة». وهذا يعني أنه لا يمكن أن يكون هناك رفض للمسيحيين من جميع الطوائف أو اليهود أو المسلمين أو الهندوس أو البوذيين أو غير المؤمنين، في سعيهم لتولي مناصب عامة. ورغم ذلك، فإنه بداخل الحزب الجمهوري المعاصر، يبدو أن هناك بعض الشك في مغزى الدستور الأميركي عندما يتعلق الأمر بالمسلمين.
وعلى مدى سنوات عدة، كان دونالد ترامب، المرشح الجمهوري في السباق الرئاسي الجاري، يقود حملة تتساءل فيما إذا كان الرئيس باراك أوباما قد ولد في الولايات المتحدة بالفعل أم خارجها! ويأتي ضمن سؤال ترامب بشأن مكان مولد أوباما افتراض مفاده أنه قد ولد في كينيا وليس الولايات المتحدة، وأنه مسلم وليس مسيحي الديانة. والحقيقة أنه إذا لم يكن قد ولد في الولايات المتحدة، لما استطاع أن يكون رئيساً لها، وذلك -مرة أخرى- وفقاً لدستور الولايات المتحدة نفسه.
وقد أظهر استطلاع للرأي تم إجراؤه مؤخراً أن ما يزيد على 50 في المائة من الجمهوريين يعتقدون أن أوباما مسلم. وهذه الإحصائية غير العادية تساعد إلى حد كبير في تفسير الانجذاب نحو دونالد ترامب من جانب الجناح المحافظ من الحزب الجمهوري، على الرغم من إفشاءاته وإهاناته العديدة، إلى جانب جهله الأساسي بالسياسة الخارجية. وأثناء الخطاب الذي ألقاه أمام تجمع حاشد في نيوهامبشاير، يوم التاسع عشر من شهر سبتمبر الجاري، سأل أحد الأشخاص ترامب عما إذا كان أوباما أجنبياً ومسلماً، وما إذا كان المسلمون يديرون معسكرات تدريب للإرهابيين في الولايات المتحدة؟ ولم يكن ترامب مستعداً لدحض هذا التصريح السخيف، بل رد بالقول إن ليس من مهامه الدفاع عن أوباما.
وبعد ذلك، وفي العشرين من سبتمبر الجاري أيضاً، قال مرشح جمهوري آخر هو الأميركي الأفريقي الدكتور «بن كارسون»، للصحفي بشبكة «إن بي سي» تشاك تود، في لقاء على شاشة التليفزيون الوطني: «لن أدافع عن فكرة اختيار شخص مسلم لكي يكون رئيساً لهذه البلاد. إنني قطعاً لا أتفق مع تلك الفكرة». وقد أدت هذه التصريحات إلى غضب عام على المستوى الوطني، بيد أن عدداً قليلا جداً من المرشحين الجمهوريين دانوا هذه التصريحات بشكل صريح. والحقيقة أن المرشحين الذين يتتبعون السباق الجمهوري يشعرون بأنهم لا يستطيعون التفريط في القاعدة المتشددة حتى انتهاء الانتخابات الأولية، خاصة في الجولتين الأوليين المقرر إجراؤهما في مطلع عام 2016 في ولايتي ايوا ونيوهامبشاير.
والخبر السار هو أن معظم الأميركيين، ومن بينهم الديمقراطيون، لا يصدقون هذه التصريحات المتآمرة، وإن عاجلاً أو آجلاً، فإن أي مرشح جمهوري جاد سيتعين عليه دحضها أيضاً. ويواجه الجمهوريون معركة شاقة للفوز بقلوب وعقول الأقليات العرقية والدينية، حيث إنه من دون دعمها لن يكون أمامهم سبيل للفوز بالبيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، لاسيما في حال تعرض الأمن القومي لتهديد جسيم أو في ظل ركود اقتصادي كبير آخر.
ومن المؤكد حقاً أنه بالنسبة للمستقبل القريب، فإنه من الصعب تخيل أن مسلماً أو هندوسياً أو بوذياً، أو حتى ملحداً.. يمكن أن يكون مرشحاً جاداً لتولي الرئاسة الأميركية. بيد أن هذا سيحدث يوماً ما، لاسيما أن اندماج معظم المسلمين والبوذيين والهندوس كان ولا يزال ناجحاً للغاية في الولايات المتحدة. وخلافاً للوضع في بعض بلدان أوروبا، فإن معظم الأميركيين المسلمين لديهم دخل فوق المتوسط، ويقدمون مساهمات مهمة في المجتمع. ورغم ذلك، إذا واجهت الولايات المتحدة المشاكل الرهيبة التي تواجهها أوروبا اليوم بسبب الهجرة غير الشرعية التي لا نهاية لها والتي لا تخضع لأي سيطرة، فإن الاتجاهات ستتغير بالتأكيد. ولو أن دول أميركا اللاتينية مسلمة وليست مسيحية، فإن قضية الهجرة غير الشرعية من المكسيك وأميركا الوسطى كانت ستصبح قضية مثيرة للخلافات أكثر بكثير مما هي عليه بالفعل.
لذلك، فإن الجواب البسيط على السؤال الأول: هل يمكن لمسلم أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة؟ كان يجب أن يكون: «نعم»، لكن ليس لجيل أو نحو ذلك. وبحلول ذلك الوقت، فإن أكثر من 50 في المائة من سكان الولايات المتحدة سيكونون من غير العرق الأبيض، كما أن التسامح تجاه من يُعتَبَرون الآن أقليات سيكون أكبر بكثير.. وهذا بالطبع مع افتراض عدم حدوث كوارث تغرق البلاد في الفوضى.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشيونال انترست»- واشنطن
عن الاتحاد الاماراتية