هنا غزة، أيها الردّاحون… فلا تُكثروا الصراخ، ولا تتوهموا أن الضجيج قادر على غسل الذاكرة.
ذاكرة الغزيين حيّة.
وحين تضيق الدنيا، وتُغلق الأبواب، ويجوع الطفل، ويتألم المريض، يسقط القناع عن الوجوه، ويظهر معدن الرجال.
الغزيون لا ينسون من واصل الليل بالنهار من أجل رغيف يصل إلى فم طفل جائع، ولا من سعى لتأمين دواء لمريض أنهكه الألم، ولا من حمل همّ الناس حين كان كثيرون منشغلين بتسجيل المواقف وإطلاق البيانات وتوزيع الاتهامات. بينما لم يكن في اى موقع مسئول من مواقع السلطه سوى انه ابن هذا الوطن ورجل هذه المرحله .
لا تحاولوا أن تبيعوا أهل غزة بطولاتٍ مصطنعة عبر مكبرات الصوت.
غزة تعرف من كان معها بالفعل، ومن كان معها بالكلام فقط.
هناك من عمل بصمت، بعيدًا عن الكاميرات، ولم يجعل من معاناة الناس منصةً لشهرته. وهناك من لم يقدم شيئًا سوى الصراخ والاتهام والتخوين، ثم جاء اليوم ليمنح نفسه شهادةً في الوطنية والإنسانية!
أي وطنية هذه التي لا تظهر إلا أمام الكاميرات؟
وأي إنسانية تلك التي تتذكر الجائع عندما يصبح الجوع مادةً للمزايدة السياسية؟
يا أيها الردّاحون…
لا تختبروا ذاكرة غزة.
هذه المدينة دفعت من دمها وأعصابها وأمنها ومستقبل أبنائها ما يكفي، ولذلك فهي أقدر من غيرها على التمييز بين من خدمها ومن استثمر في وجعها.
الغزي لا يحتاج إلى من يشرح له من وقف معه.
هو رأى بعينيه من جاء بالخبز، ومن بحث عن الدواء، ومن فتح بابًا مغلقًا أمام مريض، ومن حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط الركام.
ورأى أيضًا من اختفى عندما اشتدت الأزمة، ثم عاد عندما هدأت العاصفة، حاملاً خطابات رنانة وشعارات كبيرة!
يا سادة، غزة لا تقيس الرجال بعدد الكلمات، بل بعدد الأرواح التي حاولوا إنقاذها، وعدد الجائعين الذين أطعموا، وعدد المرضى الذين ساعدوا، وعدد الأبواب التي طرقوها من أجل أهلها.
فكفّوا عن المزايدات.
اتركوا لأهل غزة حقهم في الحكم على من وقف إلى جانبهم، ومن خذلهم، ومن جعل من مأساتهم سلّمًا للصعود، ومن جعل من نفسه خادمًا للناس دون انتظار تصفيق.
قد تستطيعون أن تخدعوا جمهورًا لبعض الوقت، وقد تستطيعون أن تملأوا الفضاء بالضجيج، لكنكم لن تستطيعوا محو الذاكرة.
فالذاكرة الغزية ليست منشورًا يُحذف، ولا مقطعًا يُدفن، ولا شعارًا يُستبدل.
هي ذاكرة شعبٍ عاش الألم، ورأى الوجوه في أحلك الساعات.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي لا يستطيع الردّاحون الهروب منه:
أين كنتم عندما كان الطفل جائعًا؟
أين كنتم عندما كان المريض يبحث عن العلاج؟
أين كنتم عندما كانت غزة تحتاج إلى فعلٍ لا إلى كلام؟
هنا غزة…
وهنا شعبٌ يعرف جيدًا من وقف معه.
فلا تتحدثوا باسم غزة قبل أن تسألوا غزة عنكم. وسيكون لغزه الكلمه الفصل في صندوق الانتخابات أن أجريت