تاريخ النشر: 2017-05-10 | 11:22
تاريخ النشر: 2017-05-10 | 11:22
بعد طول ترقب وانتظار من قبل الأوساط السياسية الفلسطينية والعربية ، وربما من اوساط أبعد اصدرت حركة حماس وثيقة " المبادئ والسياسات العامة " في الاول من شهر أيار الجاري ( وقبل ارسال هذا المقال الى المطبعة جرى انتخاب اسماعيل هنيه رئيساً للمكتب السياسي خليفة للسيد خالد مشعل الذي انتهت ولايته ). لقد تضمنت الوثيقة في بنودها الـ 42 مبادئها وسياساتها للمرحلة القادمة ولم تتخلى عن اعتبارها " حركة تحرر ومقاومة وطنية اسلامية ، ومرجعياتها الدين الاسلامي ...الخ . المراجعة السياسية وتعديل البرامج على اساس المتغيرات امور معروفة في الحركات السياسية والاحزاب التي تتعامل مع الواقع ومتغيراته ، ولا يجب ان تكون المراجعة مأخذاً على الحزب السياسي وتحديداً الاحزاب البراغماتية ، كما هو الحال مع حركة "حماس ".
أغلب من تناولوا الوثيقة بالنقد توقفوا امام البند الـ 20 من الوثيقة والذي - بعد ان اكد عن عدم التنازل عن اي جزء من الارض التاريخية لفلسطين كاملة ورفض الاعتراف باسرائيل - اعتبر " ان اقامة دولة فلسطين مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 ...صيغة توافقية وطنية مشتركة " ، ويظهر النص وبطريقة لا تخفى على العاملين بالعمل السياسي وكانه مراعاة للمزاج السياسي العام اكثر من كونها نابعة من قناعة حمساوية خالصة ، او انها لمراعاة المتغيرات الاقليمية والدولية او مراعاة لاوضاع داخلية في صفوفهم ؟
الموقف من بند " التوافق الوطني " تمت مواجهته بحملة نقد واسعة من تيارات قومية رفضوية كانت تجد في الموقف " الحمساوي " السابق للوثيقة ملاذاً لسياساتها وافكارها السابقة ، وموقفهم هذا يتعارض مع موقف الاجماع الوطني ومع اعلان الاستقلال للعام 1988 الصادر عن هيئات منظمة التحرير الفلسطينية وذلك قبل اتفاق اوسلو وملحقاته الامنية والاقتصادية المعروفة والتي كانت وما تزال موضع خلاف فلسطيني داخلي .
مصدر الخطأ في مهاجمة المهاجمين لوثيقة " حماس " انما ينبع من موقف مقصود يحاول الربط ما بين المراحل التي سبقت اتفاق اوسلو ( برامج الإجماع الوطني للفصائل المنضوية في اطار م .ت.ف ) وما بين التراجع الفعلي عن برنامج الاجماع الوطني والدخول في متاهات التسوية الراهنة ، وهذا التيار يحاول القول بان وثيقة حماس سوف تصل الى النهايات التي انتهى اليها برنامج منظمة التحرير الراهن ، ومن يدري ؟
الخلط المتعمد للسياق التاريخي لبرنامج منظمة التحرير مع السياق التاريخي لبرنامج " حماس " انما ينطوي على خلط لوقائع تاريخية متباينة ؛ فلقد طرحت البرامج السياسية لمنظمة التحرير ما بعد حرب اكتوبر عام 1973 والتي كانت قد فتحت الباب امام تسوية للمسألة الفلسطينية في ظل غياب للمنظمة التي خاضت صراعاً طويلاً من اجل الاقرار العربي ومن ثم الدولي باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، ولم تمر تلك الانجازات بسهولة - حتى على الصعيد الداخلي الفلسطيني – لقد طرحت المنظمة آنذاك برنامج حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران للعام 1967، وجرى تكريس هذا البرنامج في اعلان الاستقلال عام 1988 في الجزائر . لم تتم الانجازات السياسية والبرنامجية تلك بسهوله ولم تأت في ظل تراجع ( كما هو الحال الآن ) بل جرت في ظل اجواء داخلية فكرية غنية ومناخات سياسية مؤاتية .
المقاربات المتبعة لدى البعض بين ما كان من اجواء نهوض وطني وبين التراجعات السياسية اللاحقة ، وامتداد هذه المقاربات مع الاجواء التي صدرت بها وثيقة حماس هي محاولات لليّ عنق الحقيقة التاريخية لصالح اسقاطات ذاتية ، خاصه وان ما تبع من تصريحات لبعض قيادات حماس بعد اعلان الوثيقة من انها تنسجم مع المتغيرات الاقليمية والدولية ، وهي متغيرات ليست في صالح تسوية سياسية متوازنة ومقبولة .
من حق حماس ان تقدم مشروعها للحل الفلسطيني، بما في ذلك حل الصراع مع الاحتلال الصهيوني وان تؤكد على التعددية وعلى الخيار الديمقراطي وعلى الشراكة الوطنية وعلى اعتماد الحوار ، ولكن هذا يرتب عليها واجب العمل في اطار الاجماع الوطني وموقعه في منظمة التحرير الفلسطينية ، كما من واجب حماس ان تقوم بما عليها من واجب وطني بانهاء الانقسام وهنا تكمن حقيقة الالتزام بالديمقراطية وبالشراكة الوطنية .