الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

وكنت بيننا عظيماً يا حاج محمود

ومع هذه التوليفة من الشباب والكتب وجاري الطيب الحاج محمود محسن، الذي كان يأتي إلى بيته الشيخ أحمد ياسين وآخرون من رجالات الإخوان المسلمين، والذين كان يطلق عيهم في الحارة اسم (الإخونجية)، بدأت رحلتي أنا والإخوة: د. فتحي الشقاقي، د. موسى أبو مرزوق، أ. جمال أبو هاشم، العميد حمودة جروان، القاضي إبراهيم أبو مر، أ. إبراهيم معمر، أ. عيسى الأسمر، المهندس توفيق أبو عيادة، أ. إبراهيم فرحات، أ. إبراهيم علوان، م. فؤاد النحال، د. علي شكشك، أ. عبد الرحمن السدودي، المستشار خميس أبو ندى.. كانت هذه هي النواة الأولى من جيل الشباب التي تلتقي الشيخ أحمد ياسين من حين لآخر في بيت الحاج محمود، وذلك على مائدة طعامه العامرة دائماً بالخيرات، وروح التفاؤل والكلم الطيب.

كانت هذه الجلسات هي للمدارسة الدينية، والتفاكر والتأطير التنظيمي، وقد وجدنا فيها ما كنا نتطلع إليه لملء فراغ مشاعرنا الثورية وتطلعاتنا الوطنية.. لقد أعادنا الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله) بأحاديثه الدينية الشيقة عن بطولات المسلمين، وملاحمهم التاريخية، ومجدهم التليد إلى حلبة النضال والتشمير عن الساعد؛ لأن ساعة العمل والبناء لفلسطين والتجييش والإعداد للزحف قد حانت، وبدأت بوصلتنا نحو القدس تعمل من جديد.

كانت فلسطين ووعود تحريرها هي من حركت تعلقنا بعبد الناصر وتفانينا في حبه، وكانت فلسطين - وبعد أن خابت آمالنا بهزيمة مصر - هي أيضاً من جاءت بنا إلى الإخوان المسلمين، الذين جعلوا القضية الفلسطينية على رأس اهتماماتهم، وأعلوا من شأنها لتصبح القضية المركزية للأمتين العربية والإسلامية.. ومع ما وجدته من أدب راقٍ في كتابات الشهيد سيد قطب وأخيه محمد (رحمه الله)، تعمقت علاقتي أكثر بهذه الحركة، وكذلك بمكتبة الحاج محمود محسن، التي حوت من الكتب الفكرية وكتب التراث ما كان بالنسبة لي هو درراً نفيسة، أشبعت حاجاتي الأدبية، وشكلت مسار فكري الإخواني في ذات الوقت.

في العام 1951م دخل الجيش المصري إلى قطاع غزة، وتسلل معهم عدد من دعاة الإخوان المسلمين، وبدأوا بالعمل الدعوي، وتشكيل خلايا سرية للإخوان، وكان الحاج محمود محسن (رحمه الله) هو من أوائل من التحقوا بالجماعة في عام 1952م، على يد الشيخ إسماعيل المصري من مدينة الإسماعيلية، وكان العمل في ذلك الوقت يجري بشكل سري، وباسم الإسلام والدعوة إليه، وليس باسم جماعة منظمة هي الإخوان المسلمين.

ومما يتذكره جيل الحاج محمود محسن عن تلك السنوات في الخمسينيات، هي تلك الهبة الشعبية العارمة، التي شارك فيها الإخوان المسلمون والشيوعيون في رفض مشروع التوطين في سيناء، وكانت هذه الوقفة الاحتجاجية في عام 1954م هي من وضع نهاية لذلك المشروع التآمري على القضية الفلسطينية.

وأيضاً في تلك الفترة التي أعقبت حظر الجماعة بمصر في الخمسينيات، والتي تمَّ فيها إعدام ستة من قيادات الإخوان المسلمين كان منهم الشيخ محمد فرغلي والأستاذ عبد القادر عودة، حيث تعرض بعدها الإخوان في قطاع غزة للملاحقة والمراقبة، الأمر الذي أدى إلى شلِّ عمل الجماعة وتوقفها.. كانت هذه الفترة، والتي امتدت حتى عام 1967م؛ أي عام النكسة، هي من أقسى ما تعرض له رجالات الإخوان في قطاع غزة من حملات التشويه والتشهير، حتى إن وسائل الإعلام المصرية كانت تطلق عليهم لقب "إخوان الشياطين".!!

ومن المعروف أن الإخوان في قطاع غزة وبعد الضربات التي لحقت بالحركة في مصر، اضطروا لإغلاق الشُعب الخاصة بهم، واقتصار تحركهم – آنذاك - تحت اسم "جمعية التوحيد"، والتي كان يرأسها الأستاذ ظافر الشوا، وكانت تهتم بتربية الشباب وتوعيتهم، وكان مقرها في غزة، وليست لها فروعٌ في أماكن أخرى.

ويذكر أن بعض دعاة الإخوان المسلمين وعلمائهم قد زاروا قطاع غزة، ضمن بعثات الوعظ والإرشاد من الأزهر الشريف بمصر، وأسهموا في نشر الوعي الديني ووضع اللبنات الأولى للفكر الإخواني، والعمل على تأسيس الجماعة في القطاع، وكان من بينهم: الشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد الأباصيري، والشيخ علي جعفر، والشيخ محمود عيد، إضافة للشيخ حسين المصري؛ والذي كان مقيماً بيننا في رفح بشكل دائم، وكان يعتبر مرجعاً دينياً وفقهياً للجماعة، وقد تزوج من فلسطينية أنجبت له الكثير من الأولاد والبنات، كان منهم: د. محمود حسين؛ أمين عام جماعة الإخوان المسلمين بمصر، وعضو مكتب الإرشاد.

ولا شك أن جيلي من الشباب كان له معرفة كذلك برفقاء درب الحاج محمود محسن من جيل الخمسينيات في مدينة رفح، وهم: الشهيد محمد يوسف النجار، الشيخ لطفي الهمص، الحاج عبد ربه المغير، د. أحمد رجب، الحاج إبراهيم سالم (أبو أنور)، الشيخ محمد عوض الله (أبو العبد)، أ. أحمد أبو هاشم، أ. يعقوب نصر، والمهندس خليل زعرب، أ. زكي عوض الله، الحاج محمود أبو هاشم (أبو جمال)، الشيخ رجب العطار، الأخ صالح أبو حطب، الشيخ عز الدين طه، الحاج طاهر الجمل، المربي الفاضل الأستاذ محمد عطوة زعرب، الشيخ عبد الله ذياب لافي، الحاج موسى برهوم.. وآخرون ممن كانوا يمثلون كوكبة الرعيل الأول لجيل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، وممن كانوا أصحاب الفضل علينا في دعوتنا إلى هذا الدين، وتوجيهنا بالحكمة والموعظة الحسنة، والأخذ بأيدينا إلى الهداية والصلاح.

ومن ملاحظاتنا على ما كان يمتلكه الحاج محمود (رحمه الله) من طاقة دعوية ومبادرات، أنه كان أول من فكر في بناء مكتبة إسلامية في رفح، بحيث كانت توفر الكتاب الإسلامي للقارئ وأصحاب الرغبة في الشراء، وقد تعهد الحاج محمود بجلب الكتب الإسلامية الهادفة من القدس والخليل ومصر، وقد شهدت مكتبته إقبالاً كبيراً، وسدَّت فراغاً كان ملحوظاً على مستوى احتياجات الدعوة والدعاة.

وخلال سنوات الانتفاضة الأولى، كان الحاج محمود (رحمه الله) له مساحة من العمل الميداني تنسجم مع عمره ومكانته، فلم يؤثر الغياب وراحة البيت، بل كان له دور في دائرة الفعل والحدث، حيث كان يؤدي دوره في حدود الاستطاعة، وكان يتعهد توزيع بعضاً من بيانات الحركة (المناشير) بعد صلاة الفجر في مربعه السكاني (الحارة)، دون أن يعرف القريبين منه ذلك.

 

البذل والعطاء بعضٌ من سجاياه

ذكر لي أحد الإخوة من رعيل الزمن الجميل الذي كان عليه الإخوان، أنه عندما شرع في تأثيث بيت الزوجية في أوائل الثمانينيات، مر كعادته بدكان الحاج محمود بسوق المخيم.. سأله الحاج أبو محمد عن حاله وأحواله، فأبلغه أنه ذاهب لشراء جهاز بوتجاز وأنبوبة غاز، وهو يتجهز الآن لاستكمال حوائج المنزل ومتطلبات العرس.

قال الحاج له: دعني أساعدك بخبرتي في البيع والشراء، وأخذ بيده إلى أحد المحال التجارية التي فيها ما يبحث عنه، وأخذ يفاصل التاجر، ويأخذ معه ويعطي حول سعر الجهاز، إلى أن توصل معه إلى قيمة معلومة.. تركه وذهب إلى محال آخر قريب يبيع نفس المعدات، وساومه في السعر، وأخذ منه عرضاً أفضل، ثم دخل إلى محل ثالث وهو مسلح بعرضين سابقين لسعر الجهاز، وكان أن جلب السعر الأفضل مما سبق.

اشترى الجهاز وجرة الغاز بمهارة التاجر المحترف، ثم قدَّمهما لأخينا العريس، وقال له: هذه هدية مني إليك، وعون من أخٍ لأخيه، وبورك عليك الزواج.

* كان بيننا في الستينيات أخ يتيم يعيش مع أمه واثنين من أخواته، ولا معيل للعائلة، فكان أن تعهد الحاج بعمل كريم لوالدته، بحيث يدر عليهم ما يستر أحوالهم، ويمنعهم عنهم الفاقة وسؤال الناس.

استمرت هذه الرعاية الكريمة للأسرة لسنوات طويلة، حتى كبر أخونا، وأصبح مسئولاً كبيراً في الحكومة الفلسطينية.

* أتذكر كذلك أنه فتح متجره المتواضع لأكثر من أخٍ للعمل معه، بهدف توفير دخل يستر أحوالهم، حيث كانت أحوال الفلسطينيين في الستينيات بالغة الفقر والمسغبة، ولكن الرجل بخلقه الكريم آثر أن يتقاسم لقمة العيش مع إخوانه، الذين كانوا يشاركونه قناعاته الدينية والفكرية، وكان لهم نِعم القدوة والمثال.

* عائلات كثيرة من فقراء مخيم الشابورة في رفح كانت تقصده، بغرض طلب الصدقة وتفريج الكرب، فكان لا يبخل ويجود بالقدر الذي يسمح به الحال.. كما كنت ألحظ تفقده لعائلات بعينها في مناسبات الأعياد، حيث كانت يده عامرة بفعل الخير وبذل المعروف للمحتاجين.

أوصيكم بالحاج محمود محسن خيراً..

ذات يوم من عام 2006م، جاء ذكر الحاج محمود (رحمه الله) في حديث بيني وبين الأخ إسماعيل هنية؛ رئيس الوزراء السابق، حيث أشرت في تلك الجلسة إلى فضائل هذا الرجل على جيل الشباب أمثالي في الستينيات، وذكرت كيف تعهدنا بالدعوة، ووفرَّ لنا محاضن التربية الأخوية السليمة، وأننا عشنا في كنف رعايته كأسرة واحدة، وكان لنا (رحمه الله) بمثابة الأب الحاني، الذي يتابع شئوننا ويتفقد أحوالنا وأهلينا بالسؤال، ويأخذ بأيدينا إلى طريق الخير وفعل المعروف.. فقال الأخ أبو العبد هنية أن الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله) أوصاه بالحاج محمود (أبو محمد) خيراً، حيث إن الشيخ أحمد يحفظ للحاج محمود كل ما ذكرت من مناقب وخصال، ونحن نتعهده بكل ما يتطلبه واجب الوفاء لإخواننا، الذين سبقونا بالإيمان ومن ذوي الفضل علينا.. وفي كلمة العزاء بمسجد الهدى وقبل الصلاة على الجنازة كرر الأخ أبو العبد هذه المعاني الجميلة في سيرة الرجل، وذكر ما أوصي به الشيخ أحمد قبل وفاته بتعهد الرجل والوفاء له.

ستظل سيرته (رحمه الله) مشكاة لكل من سار على دربه، وأدرك تجليات عمله في طاعة الله والدعوة إليه.. لقد كانت مواقفه تذكرنا بمشهد صحابة رسول الله وبسيرة ذلك الرهط الكريم من الصالحين والتابعين.

لم أتخلف عن زيارته والاتصال به من حين لآخر، وكنت وأنا أتحدث معه أشعر أنه برغم عمره الذي شارف التسعين عاماً، إلا أنه بكامل قوته الذهنية، ولم يفقد شيئاً من ذاكرته، التي ظلت حيَّة إلى أن وافاه الأجل، وهذه نعمة من ألله وفضل وكرامة لهذا الرجل الصالح.

اللهم تغمد شيخنا الجليل الحاج محمود بواسع رحمتك، وأسكنه يا رب فسيح جناتك، وألهم أهله وذويه وإخوانه الذين عرفوه وجاهدوا معه الصبر والسلوان.

×
أخبار
ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا شركات إسرائيلية تعرض تقنيات الأمن السيبراني في دبي وسط تبادل تجاري بنحو 3 مليارات دولار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط