تاريخ النشر: 2016-11-12 | 08:52
تاريخ النشر: 2016-11-12 | 08:52
كثيرون من يرحلوا عنا ولا يتركون اثرا واضحاً فينا ولكن هنالك ثمة اناس برحيلهم نشعر بأهميتهم وحاجتنا الماسة لوجودهم في مجمل نواحي حياتنا الشخصية منها والعامة ولن يكن ذلك بمحض الصدفة و انما بفعل ما قاموا به لأجل ان نحيا كراماً والحديث في هذا المقام يتمحور حول قائمة كبيرة يصعب الحديث عن مناقب كل منها وعلى سبيل الحصر نستذكر في هذه الايام قادة عظماء وهامات وقامات لا تنكسر و شكلت بوعيها وصمودها وفعلها المشهود نقطة ارتكاز وحجر زاوية لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني والانعتاق من الاحتلال الاسرائيلي حيث تطل علينا ذكري ترجل الفارس القائد الشهيد "ياسر عرفات" الذي ترك لنا ارثا ثوريا وطنيا ومنهاجا نضاليا يعتد به كأحد وابرز رواد الثورة الفلسطينية المعاصرة دون انكار للغير الدور الفاعل و الرائد في تشكيل نواة الحركة الوطنية الفلسطينية وبذات الاطار نستذكر "الياسين احمد" الشيخ الجليل والدكتور فتحي الشقاقي وأبو علي مصطفي" وقائمة تطول من قادة وكوادر وكواكب الشهداء التي سقطت وغيبها القتل الدنيء ومئات الاف الاسري و المعتقلين و المفقودين ظناً منه بموتهم واعتقالهم سيندثر الاصرار على الحق الوطني بالتحرر و السير على ذات الخطي الواثقة بالنصر و التحرير كنهج ثوري وطني نحو تحرير فلسطين الارض و الانسان والمقدسات.
انه القائد والمؤسس و الرئيس الشهيد "ياسر عرفات" الذي استحق بجدارة لقبه وهو القائل :" سيرفع شبل أو زهرة من ابناء شعبي علم فلسطين فوق مآذن و كنائس القدس" ولأجل تحقيق هذا الهدف الطموح اسس ورفاق دربه لانطلاقة الثورة الفلسطينية معلنا بداية مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع الاحتلال البغيض وخاض غمار معارك الثورة بعد الاعلان التاريخي عن ولادتها يوم 1/1/1965م وبذلك انتقلت القضية الفلسطينية نقلة نوعية بعدما ظن الاحتلال ومن يسانده ويدعم وجوده ان الفلسطيني سيسكت عن حقوقه ويأتي الرد الغير متوقع بتنفيذ احدي المجموعات التابعة لحركة فتح عمليتها الاولي مع بداية العام الجديد 1965م وما لهذا التاريخ المشرف من رمزية تتجدد معها الثورة الفلسطينية رغم كل محاولات الاقصاء و الاستحواذ و الهيمنة في محطات عدة شهدت عليها معركة الكرامة في مارس من العام 1968م , وايلول الاسود 1970م كمعركة وجود فُرضت ,واستطاع ان يقتحم معترك السياسة حينما القي خطابه الشهير في الامم المتحدة بعدما رفضت امريكا منحه موافقة دخول اراضيها وعُقدت الجلسة في حينه في سويسرا والقي خطابه الشهير يوم 14/11/1974م وهو القائل : " جئتكم احمل غصن الزيتون بيد و باليد الأخرى سلاحي فلا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي" وتمكن بذلك ان ينقل القضية الفلسطينية نقلة نوعية الى معترك السياسة الدولية منتصرا للوجود الفلسطيني و لملايين اللاجئين حول العالم وضع بذلك العالم امام مسؤولياته وواكد على الحقوق الوطنية وان هنالك شعب حي يناضل من اجل نيل حريته, وتواصلت خلال تلك الفترة عمليات الانزال والاستهداف والاستنزاف لجنود الاحتلال خلال سبعينيات القرن المنصرم كان لها تأثيرها الواضح على دولة الاحتلال ومثلت وقودا لحالة المقاومة المسلحة ومصدر عزة وكرامة لشعبنا الفلسطيني وصدمة على المحتل الذي اصيب بالفشل الذريع في مواجهة العمليات الفدائية البطولية التي قامت بها حركة فتح وحركات مقاومة اخري لا ننكرها حقها ولكن العنوان العريض لكل العمليات النوعية والمؤثرة كتبت بدماء ابناء "فتح" مرورا بحرب لبنان وحصار بيروت في الفترة ما بين 4/6 الى 31/8/1982م والصمود الاسطوري لمدة 88 يوماً وهي العملية العسكرية التي اطلقت عليها دولة الاحتلال "عملية سلامة الجليل" تعرض خلالها الرئيس الراحل لمحاولات اغتيال عدة لم تفلح ولن يقف التاريخ عند الخروج من بيروت واسبابه و الانتقال الى تونس كمحطة انطلق منها الى فلسطين سبقها الانتفاضة الاولي في ديسمبر 1987م و الدور الريادي لحركة فتح في توجيهها و اشعالها وحتى استشهاد نائب القائد العام "خليل الوزير" مهندس الانتفاضة يوم 16/4/1988م رفيق درب القائد وحتي اعلان الدولة الفلسطينية في دورة المجلس الوطني 19 في الجزائر يوم 15/11/1988م ومثل في حينه الاعلان علامة فارقة في النضال الفلسطيني واعترفت عشرات الدول فيها الى ان باتت ترجمتها على الارض مع توقيع اتفاقية اوسلو يوم 13/9/1993م التي جاءت بنتيجة مهمة كثمرة لها دون غيرها خاصة مع تسويف وتنكر دولة الاحتلال لاستحقاقاتها, و تمثلت بعودة الرئيس "ياسر عرفات " وقوات الثورة الفلسطينية الى جزء اصيل من ارض فلسطين التاريخية في شهر يوليو من العام 1994م, وتستمر حركة فتح وتستطيع ان تحافظ على ديمومتها رغم كل ما احيك ضدها من مؤامرات عربية و اقليمية ودولية متسلحة بالإرادة و التصميم والاهداف النبيلة التي انطلقت من اجلها وهو ما مثل سر قوتها و بقائها حتى يومنا هذا رائدة المشروع التحرري الوطني دون ان تُسقط خيار المقاومة و المواجهة مع المحتل الغاصب وتُكمل مشوارها وصولاً الى تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس كضمانة وحيدة لاستقرار المنطقة كما يريدها شعبنا الفلسطيني وقادته ممن قضوا نحبهم ونحن احوج ما نكون اليهم بيننا ويبقي عزاؤنا انهم رحلوا بعدما رسموا لنا خارطة الوصول الي الوطن وتركوا لنا من هم علي قدر من المسؤولية الوطنية ويحملون الامانة باقتدار على ذات النهج والفكرة فطاب غرسهم وصلح نهجهم واستمرت خطواتهم راسخة لا تهادن في الحقوق و الثوابت الوطنية الفلسطينية وهذا ما تترجمه اقوال و افعال القيادة الفلسطينية وعنوانها الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" الذي يتعرض للضغوط المتواصلة من دولة الاحتلال وقوي اقليمية ودولية لإرغامه علي تقديم تنازلات واجهها بمزيد من الاصرار و الثبات ايماناً منه بعدالة قضية شعبه ودون أي تنازل كان في أي من القضايا الجوهرية و المصيرية مستكملاً مشواراً نضالياً بدأه مع القادة الاوائل وعلي ذات الخطي التي آمن بها وسار عليها الرئيس الراحل "ياسر عرفات".
الرئيس "عرفات" رجل الاجماع الوطني ,وهو حاضرٌ في وعي وادراك كل من عرفه و عايشه عن قُرب في المواقف و المحن ومحطات النضال الفلسطيني بكل ما احاط بها واحيك ضدها من مؤامرات ومكائد خلال 4عقود من قيادته الثورة الفلسطينية المعاصرة لن تثنيه عن تحقيق الفكرة واستمرار النهج وحتي بعد مرور 12 عاماً علي رحيله استطاع الرجل ان يُوجد لشخصه مكاناً نقشه بجهده وكفاحه علي صفحة الوطن وفي ذاكرة فلسطين الذاخرة وتخطاها الي العالمية ليصبح رمزاً للمقاتل العنيد بكوفيته المرقطة التي باتت تُعرف كرمز للثوار و التوقين للحرية اينما وجدوا تخليداً لمن حفروا اسمائهم على صفحات التاريخ لتُخلد ذكراهم ومآثرهم حتي بعد عقود على رحيلهم لما بذلوه من اجل العيش الكريم و الحر للغير.. وفي هذا الاطار حديثنا عن القائد "عرفات" مع ما تركه من ارث كفاحي ثوري يمثل هَدي للأجيال المتعاقبة للعمل النضالي ضد الظلم بكافة اشكاله وانواعه وادواته اينما وجد تشكلت معه المدرسة العرفاتية التي لن تغلق ابوابها بالمطلق وتستمر في تخريج اجيال ينهلون من مبادئها و افكارها ويدينون بالولاء للوطن ولقضيته ويعملون تحت رايته.
فلسطينياً لم يغيب القائد روحاً وغاب جسدا , ومع كل اشراقة شمس تلامس جدايلها جبال و روابي وسهول فلسطين يطل بوجه وكوفيته المرقطة ويتواصل انعكاس صورته مع طلة القمر في ليالي الظلمة الحالكة تلامس قبة الصخرة الصفراء تشع معها نورا منتشرا على مساحة الوطن الغالي مضيفاُ شعاعاً مضاعفاً تتبدد الظلمة وتظهر الرؤيا لا غُبن ولا لُبس فيها , والرئيس "عرفات" كقائد فذ ورجل المواقف وعرفات الانسان غاب عن المشهد ولن ولم يُسدل الستار وبقيت روحه تطوف البلاد وتسكن محبيه ومن اختاروا السير على خطاه وعلى نهجه الذي يمثل انبعاثه متجددة "لأجيال فتح" على وجه الخصوص ويجب ان يمثل النهج الثوري و المقاوم نقطة ضوء ساطعة نحتسبها للقائد الرمز ورفاقه والاف الشهداء ممن قضوا و ساروا علي ذات الطريق وصولاً الي فلسطين الارض و الهوية وقطع الطريق على المتآمرين والمتخاذلين والمثبتين والمحبطين من قوي عربية و اقليمية ودولية رهنت مواقفها لصالح دولة الاحتلال وامريكا.
في ذكري رحيل القائد الملهم "ياسر عرفات" علينا ان نجدد العهد و البيعة مع حركتنا الرائدة "فتح" , وان نعمل على نبذ أي خلاف او اختلاف في وجهات النظر مهما اختلفنا الا يرقي الى الشقاق والنزاع و الاستقطاب المدمر للنسيج الحركي, وان نعمل من اجل وحدتها وقوتها وتماسكها لطالما نحبها و ننتمي لمبادئها و افكارها السامية وندين بالولاء والانتماء لفكرها الثوري الجامع ولتاريخها الحافل ولقادتها ولشهدائها ولمؤسسها "ياسر عرفات" حتي في مماته لأن حركة فتح الفكرة و النهج اكبر من الجميع , وان نلتف حول قيادتها التاريخية ممثلة بالرئيس "محمود عباس" كقائد وسياسي محنك وندعمه في مواقفه الثابتة والراسخة من اجل انتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية وتحقيق الحرية لشعبنا واقامة الدولة الفلسطينية و عاصمتها القدس على ذات الطريق و النهج الذي رسم ملامحه الرئيس الراحل "ياسر عرفات" الذي يستحق من الشعب الفلسطيني اكثر من مهرجان خطابي او احتفالية او كلمات رثاء لإحياء ذكراه لأنه رئيس الشعب الفلسطيني بأسره اينما يتواجد وان كانت ضرورية الا انه من الاهمية بمكان ان تمثل ذكري رحيل القادة العظام دعوة صريحة للوفاق الوطني الحقيقي وانهاء الانقسام وان تدفعنا نحو اعادة ترتيب البيت الفلسطيني وارساء قواعد واسس وحدة فلسطينية وطنية جادة خاصة مع ما تمر به القضية الفلسطينية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني وارضه من هجمة احتلالية شرسة و تهويد متواصل للأرض واعتداءات و انتهاكات مستمرة تتطلب مواجهتها بشتي السبل وتضافر طاقات وامكانات شعبنا بكافة انتماءاته الحزبية و الفكرية لتحقيق الحرية و العدالة لشعبنا وصد العدوان الهمجي والعمل الوطني الموحد والمشترك وفق اليات واستراتيجيات تؤثر ايجابا في الفعل و الموقف الفلسطيني في شتي المجالات التي من شانها ان تخدم مشروع التحرر الوطني الذي نادي به هؤلاء القادة و عملوا لأجله.. وهذا يدعو كل مكونات شعبنا كقادة و ساسة وفصائل , وقوي ومؤسسات وفعاليات ونقابات واتحادات للوقوف قليلاً عند حدود الزمن و نسترجع مواقف يشهد عليها التاريخ و العدو قبل الصديق لمواقف الرجل العنيدة والصلبة امام دولة الاحتلال وربيبتها امريكا وعلى سبيل الحصر ليس الا حينما قابل الرئيس الامريكي في العام 2001م "بيل كلينتون" آنذاك ورفض المقترحات الامريكية و الاسرائيلية للتسوية في لقاء جمعه مع رئيس وزراء دولة الاحتلال "ايهود باراك" وغادر الاجتماع ولحقت به وزيرة الخارجية " مادلين اولبرايت" حتي سيارته دون ان يعيرها انتباهاً..! ولن ان نتخيل كم ملك او امير او رئيس او زعيم جاء لمقابلة الرئيس الامريكي وبإمكانه ان يفعل ما فعله " القائد الراحل ياسر عرفات"..؟!! والمقام لا يتسع للحديث عن مواقف اخري حُفرت في الذاكرة خلال مشوار نضالي مقاوم زاخر بمحطات مضيئة لا يُمكن طمسها او تزيفها او نُكرانها ويبقي الشهيد الرمز "ياسر عرفات" يستحق منا الكثير ليست في ذكراه فحسب و انما على الدوام وفي كل محطات النضال الوطني التحرري...