تاريخ النشر: 2020-12-09 | 20:29
تاريخ النشر: 2020-12-09 | 20:29
"يوتوبيا" هذا ما كنتُ أتخيّله عندما أبحثُ عن مكانٍ مناسبٍ للمثقّفين وأصحاب الفكر، فأنا لستُ مؤمنًا بأي حالٍ من الأحوال أن يستوي من يحملُون فكرًا مع دهماءِ النّاس والغوغاء، فالبرّغم من كلّ شيء، لازلتُ أرى أن القيمة الوحيدة التي يمكنُ أن يصنّفَ النّاس على أساسها هي قيمةُ الإدراك، فالادراكُ درجاتٍ كلّما ارتقى الإنسانُ فيها أصبحَ يرى العالمَ بروحٍ كلّيةٍ سامية تجعلُ منهُ إنسانًا أرقى شأنًا من إنسانٍ آخر، لذلك، كنتُ أرى على الدّوام أن النّخبةَ البشريّة يجبُ أن تكُون من هؤلاء الذين يرون ما لا يراه الآخرون، وأن المختّصين أصحاب العلوم التجريبية المقدرون على الدّوام لا يعدون كونهم أصحاب "صنعة" تفصلهم عن الإنسانية مسافاتٌ شاسعة، بقدر تلك التي تفصل قضيب الحديد عن الزّهرة.
تنشأ العقدة عندما يحاولُ صاحب الفكر الإندماج وسط مجتمعٍ لا يستطيع فهمَ ما في عقله فضلًا على أن يقدّره، فيصبح مجبرًا على أن يستوي مع التّافه والسّفيه والأحمق، ويتدنّى قدرَ ما شاءت له الأقدار أن يتدنى محاولًا أن يكسَر حدّة التّيه والأغتراب، وكلّما تدنّى درجةً شعَر أنّه فقَد جزءً من روحه، كأنّه كان يعالج تيهًا بتيهٍ واغترابًا باغتراب؛ فينقلبُ صاحبنا ساخطًا، فهو النبيّ وسَط المنكرين، وهو السراج وسَط العتمة، حتّى إذا ضاق به الحال انزوى وأصبح ينظُر للدهماء نظرةً فوقيّة مبرّرة، ويسعى إلى استبدالِ المجتمعِ الغارق حتّى أذنيه في الجهل بمجتمعٍ أفلاطونيّ يجدُ فيه السّكينة ويرى فيه أفكاره لحمًا ودمًا.
أصحابُ الفكرِ نبلاءٌ جدًا، حتّى أولئكَ السّاخطُون منهم على البشرية، يرتكبُون مغالطةً منطقيّة وحيدة، فهم في طريقهم إلى إيجاد مخرجٍ من المتاهة التي يعلقون فيها، يفنُون أعمارهم بحثًا عن الخلاصٍ لذاتِ البشريّة التي يبغضونها؛ فأنا أعتقدُ جازمًا أنّ كل أولئك الذين أثّروا في حياة البشر فوق هذه الأرض، فعلوا ذلك دونَ قصد.
كُن نبيلًا قدرَ ما استطعت، وافني حياتك محاولًا أن تجد اليوتوبيا الخاصّة بك، وتقمّص دورَ نبيلٍ من نبلاء العصُور الوسطى، واشعُر بالاشمئزاز من كلّ ما هو دنيء ومنحط، فان كان هناك وجهًا حميدًا للعنصريّة، فسيكُون هذا هو بلا شك.