تاريخ النشر: 2016-08-26 | 14:30
تاريخ النشر: 2016-08-26 | 14:30
نعيش في زمان انقلبت فيه الكثير من الموازين، وتغيرت المعاير، واختلط الحابل بالنابل؛ فكثير من الناس لا يقدرون للناس قدرهم، ولا ينزلوا العلماء منازلهم، ظانين بجهالتهِم، أن المتعلمين بتواضعهم بينهم هم أقل شأنًا؛ ومتناسين أن العلماء تواضعوا امتثالاً لأمر الله جل جلاله من تواضع لله رفعه الله؛ وإن الله عز وجل من فوق سبع مساوات رفع شأن العلم والعلماء، وكانت أول أية تدعو للعلم فقال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ( اقرأ)، وأمره بالاستزادة من العلم فقال سبحانه: (وقل ربي زدني علماً)، ورفع الله عز وجل شأن المتعلمين في قوله تعالي:{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ }، وأكثر الناس خشيةً لله همُ العلماء، قال تعالي: { إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ولقد شرف الله تبارك وتعالى أهل العلم ورفع منزلتهم على سائر الخلق، بل إن الأنبياء وسيدهم رسول الله لم يُورِّث دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرَّث العلم، فمن أخذه فقد أخذ حظًّا وافرًا؛ بل كانت أعظم شهادة قرآنية من الله جل جلاله للعلماء في قوله سبحانه وتعلي لهم:﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُو العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، حيث قال ابن القيم في تفسيره للآية الكريمة: أن الله عز وجل استشهدهم من بين سائر الخلق، وضمَّ شهادتهم إلى شهادته تعالى، وضم شهادتهم إلى شهادة ملائكته، وكونه تعالى استشهدهم فمعناه أنه عدَّلهم؛ لأنه لا يمكن أن يستشهد بقولهم إلا وأنهم عدول، وفي هذا جاء الأثر: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له”، وجعلهم مع الأنبياء في وصف واحد، فلم يفرد الأنبياء عن العلماء، فأشهد نفسه، ثم أشهد ملائكته ثم أشهد أولي العلم، الذين على رأسهم الأنبياء، ومن ضمنهم العلماء، وأنه أشهدهم على أعظم مشهود به، وهذه أجلُّ وأعظم شهادة في القرآن؛ لأن المشهود به هو: شهادة الحق المبين : إن لا إله إلا الله. التي لا يعدلها شيء". وإن الله عز وجل رفع مكانة العلماء في الكثير من الأحاديث والآيات فقال سبحانه:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، وفي قوله سبحانهُ:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وفي حديث أبي أمامه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ». قالوا: كيف يذهب العلم يا نبي الله، وفينا كتاب الله؟ قال: فغضب النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم قال: «ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ؛ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا؟ إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ"؛ وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) وقال أيضاً:( لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها ) وقال: "بلغوا عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" وأمرنا بالتعليم والتعلم فقال النبي: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة " وفي حديث آخر: : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له". وقال صلى الله عليه وسلم: [ الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالماً، أو متعلماً ]، ومن خرج في طلب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع ) أي له أجر كالمجاهد في سبيل الله، لذلك أعداؤنا تغلبوا علينا اليوم بالعلم والبحث العلمي وغلبونا بجهلنا، كما قال العالم المصري: أحمد زويل رحمه الله:" الغرب يدعمون الفاشل حتي ينجح، ونحن نحارب الناجح حتي يفشل"، حتي دولة الاحتلال الصهيوني المجرمة تنفق مليارات الدورات علي البحث العلمي وانفاقها فاق جميع الدول العربية قاطبة، فهل هذا معقول يا أمة المليار والنصف مليار مسلم؟!. في وقت أمرنا الله عز وجل بالعلم والبحث، والتفكر في خلق الله، ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم علي فضل العلم والعلماء ورفع درجة العالم علي العابد لله عز وجل، فقال: [ فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير]، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم. وجاء في الحديث الشريف الصحيح: "من سئل عن علمٍ فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ"؛ كما أمُرنا لتعلم العلم ابتغاء وجه الله عز وجل لا للسمعة أو الرياء والنفاق فقال النبي في ذلك: " من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني: ريحها؛ وإن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فافتوا بغير علمٍ، فضلوا وأضلوا" وهذا حال الكثير من الناس اليوم وما الجماعات التفكيرية عنكم ببعيد!! فالعلم والعلماء الأتقياء الأنقياء الصالحون هم النور الذي يُخرِج الناس من ظلمات الجهل وهو الوسيلة الناجحة للبناء والارتقاء وصدق الشاعر حينما قال: العلم يبني بيوتاً لا عماد لها - والجهل يهدمُ بيوت العز والكرم"، وللعلم والعلماء أثر كبير ورائع علي الأمة افراداً وجماعات وعلى جميع المجتمعات فتنظر للمجتمعات التي ينتشر فيها العلم وتزداد في المعارف تراها مجتمعات مرموقة في اخلاقها وفي تطورها وتعاملها فيما بينها فيضفي العلم عليها صبغة الراحة والطمأنينة والسكينة والعيش الرغيد في حين ترى المجتمع الذي يسوده الجهل يكثر فيه الاضطراب والتناحر والتباغض اضافة إلى التخلف الذي يشهده وكل هذا بسبب تفشي الجهل. واذا اراد العالم الاسلامي أن يستأنف حياته ويتحرر من رق غيره واذا كان يطمح إلى القيادة فلابد من الاستقلال التعليمي ... والزعامة العلمية ... وبالاستعداد الروحي والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي ينهض العالم الاسلامي ويؤدي رسالته وينقذ العالم من الانهيار الذي يهدده"، فو الله لولا العلمُ ما اتضح الهدى ولا لاح من غيب الامور لنا رَسْمُ؛ وكان لقمان عليه السلام يوصي ابنه قائلاً: "يا بني جالس العلماء وتزاحمهم بركبتيك فان الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء"، ولقد كان العلم كان صفةً لازمةً للأنبياء. قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:" والذي نفسي بيده، ليودَّنَّ رجالٌ قُتلوا في سبيل الله شهداء، أن يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامة العلماء، ويقول العلامة التابعي الحسن البصري رحمه الله: "يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء!!" وقَالَ أمير المؤمنين الفاروق عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه : أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ"، ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن من حق العالم أن لا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشي له سرًّا، ولا تغتابن أحدًا عنده، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه لله تعالى ما دام يحفظ أمر الله تعالى، ولا تجلس أمامه، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته" وقال علي رضي الله عنه أيضًا: "العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة (أي: ثغرة) لا يسدها إلا خلفٌ منه"، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه شعراً:
مـا الفخـر إلا لأهــل العلــم إنهــم *** على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقــدر كل امــرئٍ ما كان يحسنـه *** والجاهلــون لأهــل العلم أعـداءُ
ففــزْ بعلــمٍ تعــشْ حيًّــا بـه أبــدًا *** الناس موتى وأهل العلــم أحياءُ.
فعلينا كعرب ومسلمين أن نُجل العلماء ونرفع قدرهم، وأن نسعي كذلك في طلب العلم وفي البحث العلمي لكي نعود كما كنا سادة الأمم وقادتها من خلال العلم وذلك كله يأتي من خلال العمل والتعلم والتقوي فقال تعالي : " واتقوا الله ويعلمكم الله" من خلال التقوي يعملنا الله، وكل ما وصلت له الحضارة الإنسانية بفضل العلماء والعلم لا يعتبر إلا أقل من نقطة في بحر علم الله عز وجل القائل:" وما أُّوتيتم من العلم إلا قليلاً".
بقلم الكاتب الصحفي والمفكر العربي الإسلامي
الدكتور جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
الأستاذ والمحاضر الجامعي غير المتفرغ
المركز القومي للبحث العلمي والدراسات