غزة المدينة المنهكة من الحصار, جاء شهر رمضان هذا العام وهي اشد انهاكا, على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية...فالاقتصاد دون الصفر بفعل الحصار, والبطالة وحش ينشر ظلاله على كل الشوارع, الممتلئة بالسواعد الفتية الحائرة, تبحث عن عمل باي شكل, ولكن لا شكل يُساق اليها...ولا منافذ او حوافز تضخ بارقة امل, وعلى المستوى السياسي انقسام يحاول طي صفحته, ولكن تنط في طريقه كل المعيقات المحلية والاقليمية والدولية, جاهدة في بقاء الحال على حاله لمصلحة هنا او هناك...ولكن كل تلك المصالح لا تريد خيرا لهذا الشعب الفقير المنكوب ولا لهذه الارض المعذبة.
في هذا المناخ المتوتر, المشحون بكل عوامل القهر يجيء رمضان شهر الصيام, شهر الفضيلة عندنا كمسلمين. متوسمين فيه جهودا تحاول زحزحة الحال ولو بالقدر اليسير, ولكن في بداية الاسبوع الثاني من شهر رمضان يداهم غزة البائسة العدوان الاسرائيلي...وتختلط الامور كلها. وتزداد النوافذ انغلاقا والروح انحباسا لا يوازيهما انغلاق او انحباس في كون القرن ال 21 الذي لم يشهد عذابا وآلاما بحجم هذا العذاب وهذه الالام الدانتية.
نعم هذا حال غزة وحالنا فيها... أيام ثقيلة كغيم شتاء قطبي, أو كوخز الابر في العيون...تمضي الايام ولا يمضي الجنون الذي يحتل واقعنا ومخيلتنا...كيف ارتب لكم وصفه, لست ادري...ولكن ما اعرف هو انني لست بحاجة لبلاغة\"فولتير\"او فانتازيا \"رامبو\"التي سعت لتشويه الحواس بما يتلائم مع الواقع المشوه ولست ساعيا لكتابة فصل في الجحيم على غرار رامبو .. لان الواقع هو هو تماما يحمل كل الحيثيات التي يعتقد رامبو انها الجحيم...الواقع الغزي يضج بالالم وبالتشويه لروح الانسان وهذا كله صناعة الاحتلال الاسرائيلي.
في رمضان ينتظر المسلمون في كل الدول العربية اذان المغرب كي ينهون صيامهم...ولكن يسبق الاذان دائما مدفع رمضان يعلن نهاية الصوم,وهذه تقاليد منذ الايام العثمانية,غير ان غزة لم تعرف هذا التقليد في العقود الاخيرة لأسباب متعددة لسنا في صددها الان,ولكن اليوم الاول من العدوان وهو اليوم العاشر للصوم,تنخلع قلوب الغزيين من صدورهم,وتنخلع نوافذ بيوتهم,وجدران منازلهم...وترعد السماء في غير موعدها..انها الطائرات....نعم انها الطائرات
الاسرائيلية,ترج الارض بهوائها الثقيل,بصواريخها,برائحة البارود الذي يزكم الانوف وينشر ملح الموت,معلنا بداية الافطار في ذلك اليوم بالدم الفلسطيني.
اقفز من مكاني, أحاول تبيان الامر,لابرر لاطفالي وزوجتي سر هذا الزلزال الذي اصابنا بغتة,فافتح التلفزيون وسيلتنا في معرفة الاحداث..ولكن لم تصل اصابعي بعد لادارة الجهاز,حتى باغتنا ارتجاج اضافي اخر ادخل الرعب الى قلوبنا جميعا,والى قلبي انا الذي احاول التماسك,فادركت انها الحرب.
نعم هي الحرب...والاصح انه العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة المثخن بالآلام والجراح...بالكاد تناولنا فطورنا وتسمرنا امام التلفزيون نراقب ونتتبع ما يحدث لنا في هذا الحيز الجغرافي الضيق.
قتلى وجرحى وبيوت تسقط فوق ساكنيها...وقلوب تنفطر حزنا وكمدا على خسارتها لأبنائها الصغار وفقدانها لبيوتها التي تلوذ اليها...وابدأ في جولات من التفكير:لماذا هذه الحرب,والى اين تأخذنا,وما هي اهدافها
و...و...؟؟
اسئلة كثيرة في الغالب لا تجد اجوبة لها.
في اليوم الثاني خرجت اتفقد احوال المدينة والاصدقاء,كل شيء كئيب,ومريب فانت لست في مأمن ان تتجول في الشوارع...فالطائرات تصب جحيمها كيفما يحلو لها,لايهمها الاطفال الذين يلعبون في الحدائق,او الشيوخ الذين يركنون الى وسائدهم في غرفهم الحزينة فكل شيء في المدينة مستهدف,الكل تحت النار...فقد تموت في أي لحظة وعلى أي ناصية دونما استئذان تباغتك القذائف من البر والبحر والجو...يا الله هل تحتاج غزة كل هذا الجحيم؟؟
في اليوم الثالث خرجت الى مكتبي في شارع الوحدة..قمت ببعض الاعمال على جهاز الكمبيوتر,وارسلت بعض القصائد والمقالات للصحف وخرجت عائدا الى البيت-فانا احاول في هكذا ظروف ان لا اتأخر عن اطفالي-فوجودي بقربهم يخفف من حالة الخوف والارتباك عندهم...ولكن وانا في الشارع انتظر سيارة للذهاب الى البيت, كنت انظر الى الطرق الخالية التي بالكاد تلحظ احد المارين فيها...وتنتظر طويلا كي تعثر على سيارة تقلك الى المكان الذي تريد...الجو كئيب ومريب
ولكن تمكنت من الذهاب الى البيت...وبعد دقائق معدودة كان الجوال خاصتي يرن,وعندما استجبت للمتصل عرفت انه صديقي الذي تركته في المكتب...كان يحاول الاطمئنان عني,فقد ابلغني ان المكان الذي كنت انتظر فيه السيارة قد قصف بصاروخ اف 16...
يا الله...يا الله...انه القدر فقط يزيحك عن الموت,ويعطيك فرصة اضافية للحياة,بمحض الصدفة وبالصدفة فقط تمارس الحياة ليوم اضافي اخر..انها غزة التي تعيش هذا الجو الكئيب والمريب.
وهكذا تتوالى الايام,تأخذك الى مفاجئات مؤلمة في كل يوم اضافي من عمر العدوان على هذه المدينة الصغيرة,هذه المدينة التي لا طموح لديها سوى الحياة كبقية خلق الله فهل هذا كثير؟
وبعد اسبوع من العدوان الشرس,الهمجي,الذي لايرحم الاطفال والنساء والشيوخ..نجح العدوان في تشويه حواسنا وقتل البسمة على شفاه اطفالنا,هذه من اهم انجازات الكيان المدجج بالسلاح حتى اسنانه,ففي اليوم السابع للعدوان كنت مساء على باب العمارة التي اسكن فيها,احاول التعرف على الجو العام للناس المرتبكة الحائرة في هذا الخوف الذي يمتد بين ضلوعهم...يتحسسونه ولا يستطيعون القبض عليه,مللت من مراقبة هذا المناخ المكتظ برائحة البارود,وبحسرة الناس على فقدها..فصعدت الى البيت,خلعت حذائي وملابسي وارتديت ملابس البيت لاجلس الى جهاز اللاب توب خاصتي اتابع التغطيات الاعلامية والتوقعات الخاصة بمدى عمر العدوان,وجديده اليومي,كل ذلك لم يستغرق عشرة دقائق,وهي باتأكيد غير كافية لمعرفة ما اسلفت,نعم غير كافية ولكنني توقفت عن كل شيء لان صاروخا مدويا من طائرة الاستطلاع\"الزنانة\"كان قد هز اركان المكان كله,تركت غرفتي واغلقت جهازي وذهبت الى الغرفة الاخرى حيث بناتي وزوجتي وامي العجوز...كانت ملامح الخوف تأكل تفاصيل واضحة من وجوههم,فحاولت تلطيف الاجواء لديهم واخفف من حدة الخوف,ليس لانني لست خائفا,بل لانني ربما امتلك ادواتي في استيعاب حصة الخوف,وتدليك اعصابي بما يساعدني,على طرد الخوف او السيطرة عليه في الحدود الدنيا في عيون اطفالي,ولكن وانا احاول ذلك فرط كل شيء وتلاشى بفعل صاروخ اخر وهذه المرة من طائرة ال اف 16 كان زلزالا حقيقيا,تميد الارض فينا جميعا..تنخلع النوافذ من اماكنها وتنخلع قلوبنا من الصدور,كان صوت الاطفال والنساء يجرح كبريائي العاجز حتى عن محاولة ان يقول شيئا ما,وكيف اقول شيئا ما وانا مثلهم اخذني الحال ولم استطع غير تحسس اجسادهم خشيةان يكون قد اصابهم شيء ما من الانفجار...ربما استغرق الوقت بضع دقائق لأحاول اعادة بوصلة الهدوء الى دواخلي وكشط القيل من الخوف,كان ذلك بفعل تسلل البارود الى انوفنا وسقوط الستائر والزجاج...ودخول جارتنا في الشقة المقابلة وهي مختنقة من رائحة البارود ومن الخوف الذي كان ممكنا ان يأخذها الى عالم الاموات...عرفت ساعتها ان البيت المقابل لبيتنا هو الذي وقعت عليه الصواريخ..فتحول الى كومة من الدمار والشقق المقابلة له على الشارع والسيارات التي في الشارع كل ذلك تحول الى شيء غير ذاته الاصيلة...وبقي الخوف سيد الموقف عند الصغار والكبار...نعم انه الخوف,فمن قال لكم اننا لا نخاف والله نخاف على حياتنا وعلى اولادنا وعلى بيوتنا...ونحب الحياة ولكن الحياة الكريمة التي نريدها,وليست أي حياة كما يريدها لنا الاخرون.
هكذا يتواصل العدوان ويتواصل سهري الذي لاينتهي,فمنذ الايام الاولى \"للحرب\"وحتى الان لا يعرف النوم طريقه لعيوني..اظل اراقب واتتبع فذات يوم من ايام الاسبوع الثاني بقيت حتى الصباح وانا اقلب موجات المذياع..طبعا المذياع لانه لا كهرباء تسمح بالمتابعة عبر شاشة التلفزيون..اتابع الاخبار وعيوني شاخصة من غرفتي الى السماء التي لا تكف عن مطرها الناري...القذائف والصواريخ و القنابل المضيئة والدخانية كل ذلك مطر عدواني يلون سماء المدينة بالحزن والكأبة...ويبسط اجنحة الرعب فوق السماوات الواطئة لغرف اطفالنا...في تلك الليلة كان القصف والقتل يمتد من شمال قطاع غزة الى شرقها ومن جنوبها الى غربها في تلك الليلة كان الدم الفلسطيني ينثال على جنبات الطرق وداخل البيوت الامنة في حي الشجاعية الفقير...و في بيت حانون..وكانت هجرة مؤلمة من الشمال والشرق باتجاه وسط المدينة التي لم تعد تتسع...الناس النازحين من بيوتهم يفترشون الارض ويلتحفون السماء..على الارصفة يجلسون هم واطفالهم هائمون على وجوههم لا يعرفون النوم فقد اضطروا لترك بيوتهم التي اكلتها قذ ائف العدوان,فخلفوا كل شيء ورائهم ومنهم من نجا وترك خلفه الاولاد الجرحى والشهداء..هكذا يومياتنا تتواصل من فقد وقهر وحزن..وهكذا مازال العدوان يمارس اشكال القهر المتعددة, أحاول تلمس اضاءات ما,اوسع منافذها سيما في عيون اطفالي...الذين كبر قلقهم وهم يرون تواصل العدوان والعيد يقترب فبدأوا يسألونني: متى سنشتري يا ابي ملابس العيد...وهل سيأتي العيد؟
اسئلة كثيرة يطرحها الابناء,الذين يسعون الى لحظات هدوء وفرح كبقية الاطفال في هذا الكون...وانا تحتشد الالام في صدري جراء اسلئهتم التي أؤمن بشرعيتها,وبحقهم في الحياة,ولكن واقع المدينة المنكوبة والمكلومة يجعلني اتروى باختيار اجابات..مواربة,ولكن احاول من خلالها ضخ الامل في عروقهم..نعم يا ابنائي الاعزاء سيأتي العيد وسنشتري الملابس مهما طالت الحرب..وغدا ستفرحون بيوم جديد وهذا اكيد
لكن ابنتي المشاكسة\"لمى\"وبحسها العالي..ادركت انني اسايرهم واحاول تخفيف الالم والخوف الذي يسري في عروقهم...ولم تخجل من مصارحتي-سيما انني علمتهم وعودتهم على ذلك-انت تضحك علينا يا بابا فانا رأيت على التلفزيون بيوت الشجاعية المدمرة والشهداء والناس الذين تشردوا حولنا يسكنون المدارس وينامون على الارصفة...نعم يا بابا رأينا ذلك وهل بعد هذا يكون عيد,واي محال ستفتح في هذا الجو الكئيب واي نفس تستطيع مقاومة الحزن في هذه الاجواء؟؟
نعم لقد ادرك الابناء ان العيد ذهب ادراج الريح,فلا مكان للفرح بالزيارات و الجولات الترفيهية في المدينة التي تقطر دما وحزنا...وانا من موقع وعيهم بالاشياء ووعي بحتمية الانتصار على الشر والاحتلال كأهم مكون من مكونات الشر,قلت لهم:لا تقلقوا يا ابنائي نعم يتواصل العدوان وكل يوم نخسر البشر والحجر والشجر ولكن حتما في النهاية سبتسمون وستنتصر اراداة الحياة في عروقكم.