تاريخ النشر: 2017-10-18 | 09:14
تاريخ النشر: 2017-10-18 | 09:14
أكثر ما يلفت في قرار الانسحاب الأميركي من «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (يونيسكو) هو المفارقات المرتبطة به، إن كان لجهة اتهام المنظمة الدولية بالانحياز ضد إسرائيل أو سوء الإدارة المالية أو التسييس.
وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تصبح المفارقة مزدوجة. فإدارة دونالد ترامب التي ترفع شعار «أميركا أولاً»، تقاطع «يونيسكو» بسبب الدولة العبرية، أي أنها تضع «إسرائيل أولاً» وفوق المصلحة الأميركية التي تقتضي دوراً ناشطاً في المؤسسات الدولية لمحاربة التطرف والإرهاب، ولا تستدعي العزلة.
وعلى رغم أن القرار، في واحد من وجوهه، يهدف الى إرضاء تل أبيب، إلا أن المفارقة أن واشنطن لم تتشاور أو تنسق مع الحكومة الإسرائيلية في شأنه أو حتى تطلعها عليه، وفق مسؤولين في حكومة نتانياهو. أما مزيج التأليب الإسرائيلي والتأييد الأعمى الأميركي فاتخذ منحى غير متوقع أو مدروس أو محسوب، وتحوَّل الى عناق الدب. فمن ورّط من؟ في النتيجة، انسحبت أميركا، وأشادت الدولة العبرية، لكنها اختارت البقاء في «يونيسكو» وأملها بالمديرة المنتخبة حديثاً للمنظمة الدولية أودري أزولاي التي أعلنت أن مهمتها هي إصلاح المنظمة.
فأي مسار ستتخذ المديرة الجديدة ذات الأصول المغربية اليهودية، وهي المعروفة بيساريتها؟ وهذه ليست ضمانة للعدالة، فأزولاي تُعد صديقة لإسرائيل كما تبين خلال زيارتها العام الماضي يوم كانت وزيرة للثقافة الفرنسية. يومذاك، أعلنت أن عام ٢٠١٨ سيكون عام احتفال فرنسا بـ٧٠ عاماً على تأسيس الدولة العبرية.
إن كانت خطط أزولاي تتعلق بتبديد «الانحياز ضد إسرائيل»، فلن تكون معركة سهلة. قرارات المنظمة هي مجموع مواقف أعضائها، وممثلوهم هم نخب مثقفة لها موقف واضح من قضايا العدل والحريّة والثقافة، وبالتالي قضية فلسطين.
على رغم ذلك، ليس واضحاً كيف سينعكس الانسحاب الأميركي على ملف فلسطين، فآخر ثلاثة قرارات (اعتبار الخليل منطقة محمية، ورفض السيادة الإسرائيلية على القدس، والتشكيك بعلاقة اليهود بالحرم القدسي) أغضبت أميركا وإسرائيل. لكن الأكيد أن هذا الانسحاب لن يجعل القضية الفلسطينية تختفي، أو يخفف من مشاريع القرارات المؤيدة لها، أو يؤدي الى انسحاب فلسطين من المنظمة مثلاً.
ولكن، للأسف، ستكون لتعطيل عضوية أميركا في «يونيسكو»، خصوصاً قطع مساهمتها التي تبلغ ٢٢ في المئة من موازنة المنظمة (٨٠ مليون دولار سنوياً)، تبعات ومفاعيل سلبية تنعكس على البرامج التي تنفذها المنظمة، مثل الحفاظ على مواقع التراث العالمي، والتعددية، والتعاون الدولي في قضايا التربية والعلوم والثقافة. والأهم هو دور هذه المنظمة في مجابهة زمن التطرّف والإرهاب عبر دفع التعليم لإحلال السلام والأمن. والمفارقة أن «يونيسكو» هي المنظمة الوحيدة في الأمم المتحدة التي ترعى برنامجاً لتعليم تاريخ المحرقة اليهودية (هولوكوست).
للانسحاب الأميركي بعدٌ آخر وصفته واشنطن بسوء الإدارة المالية في «يونيسكو». حتى هنا ثمة مفارقة، فأميركا سبب أساسي في ديون المنظمة لأنها لم تسدد حصتها، ما راكم مبلغ نصف بليون دولار مستحقة للمنظمة من أميركا وحدها. وربما يكون التهرب من دفع هذا الدين وراء الانسحاب الأميركي.
عام ٢٠١١ أوقفت أميركا تمويل «يونيسكو». وبما أن القرار جاء في إطار معركة لمنع قبول عضوية فلسطين في المنظمة، فإن قمة المفارقات أن تصبح فلسطين عضواً كاملاً فيما تتحول أميركا الى عضو مراقب.
عن الحياة اللندنية